كشفت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمينة العامة للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت ترابط النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية بالجوانب الاجتماعية والسياسية، مبيّنة أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.
وقالت المطيري إن الدولة السعودية الأولى قامت في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، موضحة أن منطقة نجد قبل قيام الدولة عانت من التفكك السياسي وتعدد الكيانات المحلية وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامة، وأردفت أن هذا الوضع غير المستقر أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضررت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، مما جعل القوافل التجارية عرضة للخطر وأضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، الذي كان يتسم بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم مع ضعف الموارد المالية وغياب أي تنظيم اقتصادي شامل.
واضافت المطيري أنه عندما تولى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أن بناء دولة قوية مستقرة لا يتحقق إلا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يعد الأساس الذي تقوم عليه أي نهضة اقتصادية حقيقية، ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجع التجار على معاودة استخدامها فتحقق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقية مناطق شبه الجزيرة العربية.
الزراعة والتجارة دعائم الاقتصاد
وبينت المطيري أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسعا ملحوظا في الزراعة نتيجة توفر الأمن والاستقرار السياسي، وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الحبوب والتمور والخضراوات التي كانت تشكل الغذاء الرئيسي للسكان، كما شجع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها وتحسين أساليب الري والزراعة فتحقق قدر من الاكتفاء الذاتي وقل الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة، وأسهم الفائض الزراعي في دعم الأسواق المحلية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن الأمر الذي عزز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.
واكدت المطيري أنه في ظل هذا النشاط الزراعي المتنامي، شهدت أسواق الدرعية ازدهارا كبيرا حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التجار من مختلف المناطق ووفرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات، وتنوعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلية والحرف اليدوية والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحرف والمهن مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية فتوافرت فرص عمل جديدة وتحسنت مستويات المعيشة لدى السكان.
واوضحت المطيري أن دور الأسواق لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت أيضا مراكز للتفاعل الاجتماعي وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزز من مكانة الدرعية بصفتها مركزا حضاريا واقتصاديا مهما.
نظام مالي بسيط ومنظم
ورات المطيري أن النظام المالي في الدولة السعودية الأولى تميز بالبساطة والتنظيم والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات التي كانت تجمع وتدار بطريقة منظمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع دون إثقال كاهل التجار أو السكان، كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ، وقد مكن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية ودعم الأمن وتحقيق قدر من الاستقرار المالي فتعززت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.
وشددت المطيري على أن الاستقرار المالي أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعمت البنية التحتية مثل تحسين الطرق وتأمينها وتطوير الأسواق ودعم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجابا على الاقتصاد والمجتمع، كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسع السياسي والحفاظ على قوة الاقتصاد المحلي دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة وتقليل النزاعات على الموارد وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية، كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة وتوسيع نفوذها تدريجيا دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية، وبذلك أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسي والاجتماعي.
وبينت المطيري أن تجربة الإمام محمد بن سعود تظهر أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق، فكلما ازدهرت الزراعة وتوسعت الأسواق تحسن مستوى المعيشة وازدادت الروابط الاجتماعية قوة مما عزز الولاء للدولة وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي، وقد مكن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسسات الدولة وتوسيع نفوذها مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تبرز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية على وادي حنيفة حيث استخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعم النشاطين الزراعي والتجاري وربط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية، وقد أسهم ذلك في تدفق السلع ورؤوس الأموال وزيادة فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة فتعززت مكانة الدرعية بصفتها مركزا اقتصاديا حيويا في شبه الجزيرة العربية.
السياسة الاقتصادية المتوازنة
وتقول الدكتورة هالة المطيري إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تظهر أن الاقتصاد كان عنصرا أساسيا في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن وتنشيط الزراعة وازدهار الأسواق وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجا مبكرا لإدارة الموارد الاقتصادية بوعي وحكمة، وتعد هذه التجربة مصدرا مهما للدراسة والبحث لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحديات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيب الله ثراه- على خلق حالة من الاستقرار طويل المدى إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية بل سعى إلى وضع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصادي، فقد شجع ترسيخ قيم العمل والإنتاج وربط الاستقرار الاقتصادي بالعاملين الديني والأخلاقي فانضبطت المعاملات التجارية وقل الغش والاحتكار وبنيت ثقة متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة، كما أدى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوع من التكافل الاجتماعي فقد دعمت الفئات القادرة الفقراء والمحتاجين فقلت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع، وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة وجعل السكان أكثر استعدادا لدعمها والمحافظة على استقرارها، بالإضافة إلى ذلك فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسف أو الظلم فتوسعت القاعدة الاقتصادية للدولة.
وشددت المطيري على أنه يمكن القول إن هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرد وسائل لزيادة الموارد بل أدوات فعالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.
