سادت حالة من الاستياء داخل مجلس النواب و المجلس الاعلى للدولة في ليبيا عقب الجلسة التي عقدها مجلس الامن الدولي الاسبوع الماضي. اذ قدمت المبعوثة الاممية هانا تيتيه احاطة عرضت فيها مسارا بديلا يهدف لتجاوز حالة الجمود القائمة بين المجلسين بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما اول استحقاقين ضمن خريطة الطريق التي اعدتها البعثة الاممية.

وبحسب اوساط مقربة من البعثة، فان ملامح المقترح الاممي لا تزال غير واضحة المعالم، بانتظار عودة تيتيه من نيويورك الى طرابلس لعرض التفاصيل. علما ان المقاربة البديلة تتضمن تشكيل مجموعة مصغرة لفك الجمود، وقد يصل الامر الى توسيع دائرة الحوار في حال تعثر مهمة المجموعة المصغرة.

وكان لافتا ان تيتيه وجهت خلال الجلسة انتقادات حادة الى مجلسي النواب والاعلى للدولة، معتبرة ان المجلسين غير قادرين او غير راغبين في العمل معا لانجاز الاستحقاقين الاولين ضمن خريطة الطريق، بينما لم يصدر اي بيان رسمي عن المجلسين.

رفض واسع لانتقادات المبعوثة الاممية

وعكس برلمانيون حجم الاستياء من المقترح الاممي، اذ وصف عضو مجلس النواب سعيد مغيب ما طرحته تيتيه بانه غير مقبول سياسيا ودستوريا. واكد ان رايه يعبر عن نبض غالبية اعضاء المجلس، واعتبر ان المقترح يمثل التفافا على الشرعية المنتخبة ويقوض مبدا الملكية الليبية للعملية السياسية، محذرا من انه يفتح الباب امام اجسام موازية غير منتخبة للتدخل في قوانين سيادية وعلى راسها قانون الانتخابات والمفوضية.

واضاف مغيب مذكرا بما وصفها بانها تجارب سابقة اثبتت ان اللجان المعينة دوليا تزيد التعقيد ولا تحل الاشكال. وشدد على ان مجلس النواب هو الجهة التشريعية الوحيدة المخولة لها اصدار القوانين الانتخابية، مبينا انه ليس ضد دور الامم المتحدة بوصفها مسهلا وداعما، لكنه يرفض ان تتحول الى بديل عن المؤسسات المنتخبة.

وبدوره، اقر عضو مجلس النواب علي التكبالي بان مناكفات المجلسين اسهمت في الدفع نحو الخيار الاممي. وحذر من انفجار شعبي محتمل، لكنه انتقد ايضا اداء البعثة، قائلا ان تيتيه تطرح مبادرات تعجز عن تنفيذها، معتبرا ان البعثة لم تقدم جديدا يذكر، داعيا الى دور دول قادرة على فرض تسوية بعدما عجزت الاطراف المحلية عن انتاج حل ذاتي.

مخاوف من تهميش المؤسسات الشرعية

ومن جهته، راى عضو مجلس النواب محمد عامر العباني ان الطرح الاممي يمثل محاولة لتهميش المؤسسات الشرعية وتعطيل الاعلان الدستوري. موضحا ان هذا النهج يسهم في اطالة امد المراحل الانتقالية، واكد ان القوانين المنبثقة عن لجنة (6+6) جاهزة لاجراء الانتخابات، مشيرا الى ان مجلس النواب اقر ميزانية الانتخابات والمفوضية قادرة على تنفيذ الاستحقاق كما اثبتت في الانتخابات المحلية.

اما عضو مجلس النواب فهمي التواني، فراى ان المجلس قام بما هو مطلوب منه وفق الاليات المطروحة، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية ورصد ميزانية الانتخابات. وابدى انفتاحا على اعادة النظر في القوانين الانتخابية عبر لجنة (6+6) المنتخبة من المجلسين، وليس عبر ما وصفه بحلول غير واقعية وترقيعية.

وتاتي مقترحات تيتيه بعد اخفاق المجلسين في انجاز اول استحقاقين ضمن خريطة الطريق، التي تستند الى ثلاث ركائز رئيسية: اعتماد قانون انتخابي سليم، وتعزيز استقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، توحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، ومواصلة الحوار الليبي المهيكل لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والامن والمصالحة.

ردود فعل متباينة داخل المجلس الاعلى للدولة

وفي المجلس الاعلى للدولة، لم يكن الموقف على مقترح تيتيه اقل حدة، اذ قال عضو المجلس احمد ابو بريق ان رد الفعل داخل اوساط اعضائه بدا سلبيا، متحدثا عن اعتقاد عام انها فرصة لكسب الوقت، رغم ان جزءا من اعضاء المجلس يسعون الى توافق حقيقي مباشر مع دعم دولي.

واضاف ابو بريق موضحا ان ما تدعو اليه تيتيه هو تكرار لتجارب المبعوثين السابقين على غرار اتفاق الصخيرات 2015 وايضا جنيف 2021، وقد اثبتت فشلها. مبرزا ان تكرار التجارب مع بقاء الاسباب يؤدي الى تكرار النتائج.

اما عضو المجلس عادل كرموس، فقد شدد على ان غالبية اعضاء المجلس يعدون دور البعثة سلبيا، واتهمها بادارة الصراع بدل حله. ووصف المقترح بانه جس نبض مع الدول الفاعلة، مستبعدا قدرة البعثة على انهاء الازمة لافتقارها الى ادوات التنفيذ، ومبرزا ان جوهر الازمة يكمن في غياب الارادة الوطنية وان توافقا دوليا واقليميا قد يحسمها في توقيت غير متوقع.

تحميل المسؤولية لقوى مسلحة نافذة

وبالنسبة لعضو المجلس الاعلى للدولة محمد الهادي، فقد تساءل عن جدوى اي مشروع يطرح دون الرجوع الى المجلسين، محملا مسؤولية التعطيل لقوى مسلحة نافذة لم يسمها. وانتقد بعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا لعدم تسمية المعرقلين، وعد فريقها جزءا من المشكلة.

ويرى الهادي ان تعامل المجتمع الدولي ومجلس الامن الدولي مع المسيطرين على السلاح كامر واقع زاد الازمة تعقيدا وشجع منطق القوة والمال. مبرزا ضرورة ابعاد المعرقلين لتمكين توافق المجلسين، ومحذرا من ان استمرار نهج البعثة يفاقم الانقسام ويهدد بعودة الاقتتال.

وفي المقابل، قدم سياسيون قراءة مغايرة، اذ راى عضو الحوار المهيكل اسعد زهيو ان اعتماد البعثة على مجموعة مصغرة لاقرار القوانين الانتخابية وهيكلة المفوضية خطوة عملية لتجاوز العجز التشريعي. وذهب الى اعتبار انها لجنة تنفيذية لا استشارية تعكس اولوية راي الخبراء ومسارات الحوار على الفيتو السياسي المتبادل القائم بين المجلسين.