في تحول لافت، أظهر تقرير حديث صادر عن مصرف "إتش إس بي سي" أن شركات البرمجيات المؤسسية لم تتأثر سلبًا بظهور الذكاء الاصطناعي، بل استفادت منه لتعزيز مكانتها وتوسيع نطاق خدماتها، وذلك خلافًا للتوقعات السابقة التي أشارت إلى إمكانية استبدالها بأنظمة ذكاء اصطناعي توليدية.
ففي بداية عام 2024، سادت مخاوف في الأوساط المالية من أن نماذج الذكاء الاصطناعي ستمكن الشركات من بناء أنظمتها الخاصة بسهولة، مما يهدد عرش عمالقة البرمجيات مثل "سيلز فورس" و"أوراكل" و"إس إيه بي".
لكن التقرير الاستراتيجي الصادر عن "إتش إس بي سي" في الربع الأول من عام 2026، والذي حمل عنوان "البرمجيات ستلتهم الذكاء الاصطناعي"، كشف أن البرمجيات المؤسسية لم تصمد فحسب، بل وظفت الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومتها.
الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى العمق الإداري
ويرى المحلل الاستراتيجي في "إتش إس بي سي" ستيفن بيرسي أن النماذج اللغوية الكبيرة تتمتع "بذكاء واسع لكنه يفتقر إلى العمق الإداري".
واضاف أن بناء نظام محاسبي أو ضريبي لشركة عالمية يتطلب التزامًا صارمًا بقوانين معقدة وتحديثات مستمرة، وليس مجرد إبداع لغوي، فالنماذج العامة تعاني من "الهلوسة الرقمية"، بينما تمتلك الأنظمة المؤسسية "ذاكرة مؤسسية" متراكمة عبر عقود.
وبينما اشار تقرير صادر عن مؤسسة "غارتنر" إلى أن 75% من المديرين التنفيذيين يعتبرون إرسال بيانات الشركة الحساسة إلى نماذج عامة "انتحارًا أمنيًا"، مفضلين الحلول المدمجة التي توفرها شركات البرمجيات الموثوقة.
تكلفة صيانة أكواد الذكاء الاصطناعي
كان الاعتقاد السائد هو أن الشركات ستتخلى عن الاشتراكات السنوية وتعتمد على بناء برمجياتها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك.
واكد تقرير صادر عن مؤسسة "فورستر" للأبحاث أن "تكلفة صيانة" الأكواد التي يولدها الذكاء الاصطناعي أصبحت عبئًا كبيرًا، حيث تفتقر هذه الأكواد إلى الهيكلية المستدامة، فالشركات التي حاولت "البناء الذاتي" وجدت نفسها تنفق 40% إضافية على مهندسي الصيانة والأمن السيبراني مقارنة بتكلفة الاشتراك في برمجيات جاهزة ومطورة.
واوضح "إتش إس بي سي" أن التحول الحقيقي يكمن في تحول البرمجيات من "أدوات صماء" إلى "وكلاء تنفيذيين"، فالقيمة اليوم تكمن في سياق البيانات، والبرمجيات هي التي تملك المفاتيح لهذا السياق.
البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي
فبدلًا من أن يلجأ المحاسب إلى شات بوت للاستفسار عن ميزانية الشركة، قامت شركات البرمجيات بدمج "وكلاء" داخل النظام يقومون بإغلاق الحسابات الشهرية والتنبؤ بالتدفقات النقدية تلقائيًا، مما جعل الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية ترفع سعر الاشتراك بدلاً من أن تقتله.
وتظهر بيانات سوق الأسهم أن المستثمرين أعادوا تقييم شركات البرمجيات بناءً على قدرتها على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
فقد حققت شركات مثل "سيرفيس ناو" و"أدوبي" أرباحًا قياسية بفضل ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة، وبينما أصبحت النماذج اللغوية سلعة متاحة للجميع، تظل المنصة هي الحصن الذي يربط العمليات ببعضها، ويؤكد الخبراء أن الصراع لم يعد صراع برمجيات ضد ذكاء اصطناعي، بل أصبح برمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ضد الفوضى التقنية، فالذكاء الاصطناعي هو المحرك، لكن البرمجيات هي السيارة.
