في عالم يشهد تدفقا هائلا من المعلومات على مدار الساعة. يواجه الأفراد تحديا متزايدا في الحفاظ على توازنهم النفسي. فوسائل التواصل الاجتماعي. بما تنقله من اخبار متنوعة. تخلق بيئة اعلامية معقدة.
وقد ظهرت في السنوات الاخيرة ظاهرة تعرف باسم "الارهاق الاخباري" أو "تجنب الاخبار". حيث يختار الافراد الابتعاد جزئيا أو كليا عن متابعة الاحداث الجارية.
ويعرف الباحث هيسو جانغ هذه الحالة بانها استنزاف نفسي ناتج عن التعرض المفرط للمعلومات. خاصة في البيئة الرقمية التي لا تتوقف عن التحديث.
لماذا يختار الناس تجنب الأخبار؟
تشير الابحاث الاكاديمية الى ان المنافسة الشديدة من المحتوى الترفيهي تلعب دورا كبيرا في تفضيل الكثيرين للترفيه على الاخبار. واظهرت دراسة نشرت في "المجلة الامريكية للعلوم السياسية" ان هذه الوفرة قد تؤدي الى انخفاض المعرفة السياسية والمشاركة الديمقراطية. خاصة بين الشباب.
وخوارزميات منصات التواصل. المصممة لزيادة التفاعل. غالبا ما تعطي الاولوية للمحتوى العاطفي وتهمش الاخبار المتعمقة. وتعرض الاخبار بصيغات تثير الغضب لتحفيز التفاعل. مما يدفع البعض الى الانسحاب.
واظهرت دراسات ان هذه الالية تعمل كدفاع نفسي ضد الضغط الناتج عن كمية المعلومات السلبية والمثيرة للقلق.
"السلبية المتراكمة" وتأثيرها على الثقة
يتجاوز الامر المنافسة مع الترفيه ليصل الى طبيعة المحتوى نفسه. ففي كتاب "التجنب الاخباري" الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا. بين الباحثون ان كثيرا من الناس يرون الاخبار سلبية ومحبطة. مما يدفعهم لتجنبها.
وتتفق هذه النتائج مع تقرير مؤسسة رويترز للاخبار الرقمية. الذي اظهر ان نحو 40% من المشاركين في استطلاع عالمي افادوا بانهم يتجنبون الاخبار بسبب تأثيرها السلبي على مزاجهم وزيادة شعورهم بالتوتر.
واظهرت دراسة نشرت في مجلة وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم الامريكية. ارتباط التعرض اليومي للصور العنيفة بزيادة اعراض التوتر المبكر. مقارنة بالتعرض الفعلي للاحداث.
واكدت الدراسة ان الصور المؤلمة والمخيفة للدمار والفوضى. تزيد من الشعور بالضيق العاطفي والقلق. وكلها عوامل تدفع الكثيرين للانعزال عن الاخبار.
هل تجنب الأخبار راحة مؤقتة أم انقطاع طويل الأمد؟
بالرغم من ان الابتعاد عن الاخبار السلبية قد يحقق الهدوء الفوري. فان تجنب الاخبار بشكل دائم له سلبياته. فقد تفوتك معلومات متعلقة بالسلامة او مواعيد مهمة في حياتك اليومية.
وبينت دراسات ان هذا الانقطاع قد يؤدي على المدى الطويل الى شعور متزايد بالاغتراب. مما يؤثر على الشعور بالهدف والانتماء للمجتمع.
ولهذا السبب تربط الابحاث النفسية بين استهلاك الاخبار باعتدال والشعور بقوة التأثير المدني للشخص.
نحو استهلاك صحي للأخبار
لتجاوز حالة العزلة الناتجة عن الانقطاع عن المتابعة الاخبارية. توصي مؤسسات بحثية بتحديد اوقات محددة لمتابعة الاخبار. وتجنب التصفح المفرط قبل النوم.
مصادر موثوقة ومتنوعة
يوضح مركز "كونستراكتف انستتيوت" الدنماركي. ان البحث عن مصادر اخبارية ذات سياسات شفافة وقيم تحريرية موثوقة سيصنع فرقا كبيرا. فالمؤسسات الاخبارية غير الربحية والمواقع الاعلامية الموثوقة توفر تغطية معمقة دون تهويل.
"صحافة الحلول" كبديل إيجابي
يبرز توجه متنامي نحو تعزيز "صحافة الحلول". التي لا تكتفي بعرض المشكلات بل تركز على الاستجابات القائمة على الادلة. واظهرت دراسات ان التغطية التي تبرز الحلول ترتبط بانخفاض مشاعر الاحباط وارتفاع الشعور بالقدرة على الفعل لدى الجماهير.
وختاما. قد لا تعكس ظاهرة تجنب الاخبار بالضرورة اللامبالاة بالشأن العام. بل تشير الى مشكلة في علاقة الشخص بالاخبار ومصادر المعلومات الموثوقة.
وهنا يكمن التحدي في الاستهلاك الواعي والموزون للمحتوى الاخباري وانتقاء المنصات بعناية. مع تحمل المؤسسات الاعلامية مسؤولية تحقيق التوازن بين نقل الواقع وتعزيز القدرة على التعامل معه. دون ان يتحول الخبر الى مصدر استنزاف دائم.
