في خضم تصاعد وتيرة الحروب والأزمات في مناطق مختلفة حول العالم، يمتد تأثير هذه الأحداث ليشمل الحياة اليومية للملايين، محدثا اضطرابا في الإيقاع النفسي والمهني للأفراد، وهنا يصبح الحفاظ على مستوى معين من الإنتاجية وسيلة لاستعادة الشعور بالهدف وتعزيز السيطرة وسط هذا الواقع المضطرب.
ولا تقتصر الإنتاجية في هذا السياق على إنجاز المهام الوظيفية فحسب، بل تشمل أيضا توجيه الجهد نحو أنشطة ذات قيمة تدعم الاستقرار النفسي وتضفي بنية واضحة على اليوم، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟
واكدت الدراسات ان الاثر المدمر للحروب والنزاعات يبقى واحدا، فهي تؤدي إلى خسائر في الأرواح وانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي ومعاناة إنسانية واسعة النطاق.
الحروب والقدرات العقلية
وبينت دراسة نشرتها مجلة "الطب النفسي السريري" أن أسرى الحرب الذين عانوا اضطرابات ما بعد الصدمة أظهروا تدهورا في الأداء المعرفي العام ومهاراتهم العقلية، وهو ما يشير إلى أن الصدمات النفسية المرتبطة بالحرب يمكن أن تضعف القدرات العقلية على التركيز والتخطيط وحل المشكلات.
واضافت دراسة نشرتها مجلة "ببمد" الطبية أن التوتر الحاد المصاحب لحالات القلق الشديد عند العيش في نطاق أحداث قتالية يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الأداء المعرفي والمزاج، بما في ذلك تباطؤ القدرة على الاستجابة وتراجع الذاكرة وضعف الاستدلال المنطقي.
واوضحت الدراسات انها مؤشرات مباشرة تؤثر في الإنتاجية في العمل والفعالية في الحياة بشكل عام.
تأثير الحروب على الأداء المهني
وعلى الرغم من أن الأبحاث المذكورة تمت في سياقات العسكريين وأسرى الحروب، إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن المدنيين المتأثرين بالعنف المستمر يظهرون أنماطا مشابهة من التراجع المعرفي والانفعالي، وهو ما يؤثر على أدائهم في مهام العمل وقدرات التعلم وأداء الروتين اليومي الطبيعي.
وبينت الابحاث المنشورة في مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" أن المهنيين الأكاديميين في أوكرانيا عانوا من ارتفاع كبير في مستويات القلق والإرهاق النفسي بعد الحرب الروسية، الأمر الذي أثر في مستوى إنجازهم الوظيفي وجودة أدائهم المهني.
واظهرت الدراسة ان الضغوط النفسية المستمرة وعدم الاستقرار المؤسسي والاجتماعي يمكن أن يؤديا إلى انخفاض القدرة على التركيز وتحقيق الأهداف، وهو ما يمثل حالة نموذجية لتأثير بيئات الحرب والاضطرابات الكبرى على الإنتاجية بين المواطنين العاديين.
الصحة النفسية والإنتاجية
إلى جانب الأثر النفسي، تحدث الحرب تحولات مباشرة في بنية العمل، وتقارير منظمة الصحة العالمية حول "الصحة النفسية في مكان العمل" تؤكد أن البيئات غير المستقرة ترتبط بارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي وانخفاض الأداء.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن القلق والاكتئاب يتسببان عالميا في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنويا، وفي سياقات الحرب، تتضاعف هذه الخسارة بفعل النزوح والعمل عن بعد في ظروف غير مهيأة وضعف الدعم المؤسسي والموارد.
واشارت الدراسات ان الحرب تضعف التركيز والقدرة على الإنجاز.
استراتيجيات لدعم الإنتاجية
إذا كانت الدراسات تؤكد أن الحرب تضعف التركيز والقدرة على الإنجاز، فإن السؤال هنا يصبح "كيف يمكن تقليل هذا الأثر؟"، الأبحاث النفسية والعلمية لا تقدم وصفات جاهزة، لكنها تشير إلى مجموعة استراتيجيات تساعد في استعادة قدر من السيطرة المعرفية حتى في البيئات غير المستقرة.
واضافت الابحاث ان الروتين ليس مجرد تنظيم للوقت، بل أداة لتنظيم الجهاز العصبي نفسه، ففي سياقات التهديد المزمن، يساعد وجود أنماط يومية متوقعة على تقليل حالة التأهب المستمر.
واكد تقرير منظمة الصحة العالمية حول "الصحة النفسية في مكان العمل" أن وضوح الأدوار وتحديد ساعات عمل منتظمة قدر الإمكان ووضع حدود بين وقت العمل ووقت الراحة تعد عوامل وقائية ضد الإرهاق الوظيفي وشلل الإنجاز.
كذلك تؤكد الأبحاث أن الضغط النفسي يقلل من سعة الذاكرة العاملة، مما يجعل التعامل مع مهام كبيرة أو معقدة أكثر صعوبة، وفي هذا السياق، يصبح تقسيم العمل إلى وحدات صغيرة قابلة للإنجاز استراتيجية قائمة على فهم بيولوجي للانتباه.
وبينت دراسة نشرتها مجلة جامعة كولومبيا للأبحاث عام 2023 أن تقسيم المهام إلى وحدات صغيرة يمكن أن يسهل التعلم والشعور بالتحفيز ويزيد احتمال الإنجاز مقارنة ببناء قائمة مهام كبيرة ومعقدة.
واوضحت الدراسة ان المهام الصغيرة تعزز الشعور بالسيطرة والتركيز حتى وإن كان ذلك تحت الضغط بسبب الأحداث الكبرى والمتابعة الإخبارية المحمومة.
لا تعد العناية بالنوم أو الحرص على الحركة الخفيفة أو تقليل التعرض المستمر للأخبار مجرد نصائح رفاهية، بل شروط لاستعادة كفاءة الانتباه والذاكرة، وخصوصا وأن النشاط البدني المعتدل يسهم في خفض مستويات الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
وتشير مراجعات لدراسات عدة نشرت نتائجها في مجلة "بي إم سي سايكولوجي" إلى أن اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب في مناطق النزاع والاضطرابات الكبرى ترتبط مباشرة بتراجع الأداء اليومي وانخفاض الإنتاجية وضعف كفاءة الإنجاز.
وتلفت المراجعات كذلك إلى أن التواصل المنتظم مع أشخاص موثوقين يساهم في خفض أعراض القلق وتعزيز المرونة النفسية، وفي بيئات العمل، يرتبط توفر مساحة آمنة للتعبير عن الضغوط بانخفاض معدلات الاحتراق الوظيفي وتحسن المناخ العام للأداء.
اضافة لما سبق، فإن تقليل الاجتماعات غير الضرورية وتحديد توقعات واقعية للإنتاج يساعدان في منع الإرهاق، لأن وضوح التوقعات يعد أحد أهم العوامل المرتبطة بالأداء في البيئات غير المستقرة.
وبين الطبيب النفسي ديفيد مايكل في مقال بمجلة "ميديوم" أن المرونة هنا لا تعني خفض المعايير، بل إعادة تعريفها بما يتناسب مع التطورات.
فالإنتاجية في زمن الحرب أو الاضطرابات الكبرى "لا تقاس بعدد الساعات، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على الاستمرار دون استنزاف كامل لمواردهم النفسية والمادية على حد سواء"، وفق تعبيره.
