يقدم الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تحليلا جديدا لتاسيس الدولة السعودية، معتمدا على اطار تفسيري يربط التاريخ بعلاقات معقدة بين السكان والموارد والنخب، بدلا من اعتباره سلسلة من الاحداث المنفصلة.

واوضح ان هذا المنظور يستند الى علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس، سعيا لفهم كيفية نشوء الدول وتطورها، ثم دخولها في مراحل الضغط نتيجة لتضخم النخب، مما يؤدي الى الازمات وظهور شخصيات قيادية قادرة على اعادة الاستقرار.

وبين الشقير انه من خلال هذا الاطار، يمكن فهم الدرعية قبل الامام محمد بن سعود كنظام محلي وصل الى مرحلة التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، وبالتالي فان صعود الامام محمد بن سعود يمثل لحظة اعادة ضبط تاريخية، اعادت تشكيل مركز الحكم واطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد وديناميكيات الدول

وذكر الشقير ان علم التعقيد يدرس الانظمة المكونة من اجزاء مترابطة، مثل المجتمعات والاقتصاد، حيث يؤثر كل جزء في الاخر، وتنتج من هذا التفاعل انماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بدراسة كل جزء بمفرده، ويركز على كيفية نشوء الاستقرار او الفوضى نتيجة لتراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

وعرج الشقير الى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، مبينا ان تحولات الدول تخضع لديناميكيات قابلة للقياس والتوقع، حيث تتحرك المجتمعات عبر دورة خماسية.

واضاف ان هذه الدورة تتشكل من مرحلة النمو، حيث تتسع الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية.

مراحل تطور الدول

واشار الى ان المرحلة الثانية هي مرحلة الضغط، حيث تتراجع وفرة الموارد نسبيا، ويزداد عدد الطامحين الى المناصب، وتتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع، وذلك بسبب زيادة السكان التي تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب اكثر من المناصب المتاحة.

واستطرد قائلا ان المرحلة الثالثة هي مرحلة الازمة، التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدا فيها الصراعات الكامنة بالتحول الى مواجهات مفتوحة، ثم تاتي مرحلة الذروة، وهي قمة الازمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الاقصاءات والانشقاقات.

واكد ان المرحلة الاخيرة هي مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة او منظومة حكم معدلة من اعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد، حيث تبدا دورة جديدة اشد تماسكا من سابقتها.

التنافس وصعود القيادة

وبين الشقير ان مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب، وتقلبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على ادارة التوازن الداخلي، وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حده الاقصى، اذ اصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الامارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهد لظهور قيادة قادرة على اعادة التاسيس.

واكد ان صعود محمد بن سعود جاء بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدا اعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائدا يقرا ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسد انتقال السلطة اليه اعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

وشدد على ان الامام محمد بن سعود تمكن من تاسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد ان كان امراء الدرعية يقيمون في غصيبة او المليبيد، واعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة.

واوضح ان هذا الضبط البنيوي اسفر عن استعادة قدرة الامارة على ادارة السكان والموارد والنخب ضمن اطار موحد، الامر الذي مهد لانطلاق دورة تاسيس جديدة اصبحت نواة الدولة السعودية الاولى.

واعتبر الشقير ان هذه القراءة الجديدة تفتح افقا بحثيا يفسر نشاة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين اليات الضبط تبعا لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء احصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلا لازما لتحويل التاريخ الى مادة قابلة للاختبار والمقارنة.

واختتم حديثه مبينا ان الكتابة عن الامام محمد بن سعود تظهر محدودة في بعدها السردي التحليلي، حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التاسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يسهم في معرفة ما حدث قبل واثناء التاسيس، لذا تفرض هذه الفجوة مسارا بحثيا يعيد تركيب حياة الامام من داخل بنية الاحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاما دلاليا يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيرا لمسار المشروع السياسي.