فقدت الساحة التربوية في غرب أفريقيا أحد أبرز رواد التعليم العربي برحيل المربي الفلسطيني عمر خريس، الذي كرس حياته لنشر اللغة العربية في غامبيا، متحديا صعوبات الاغتراب ومحدودية الإمكانات، ومنافسا لمنظومات تعليمية مدعومة من قوى دولية.

وأكد الصحفي أحمد فال الدين نبأ وفاة خريس، ووصفه بأنه فلسطيني ذو همة وعزيمة فولاذية، مبينا أنه وصل إلى غامبيا قبل أكثر من 50 عاما وبدأ التدريس تحت الأشجار.

وخريس فلسطيني تعود جذوره إلى قرية قسطينة قضاء شمال شرق غزة، واستقر في السعودية التي أوفدته إلى غامبيا، ليبدأ التدريس تحت الأشجار قبل أكثر من نصف قرن، قبل أن توافيه المنية.

مسيرة حافلة بالتحديات

وصل خريس إلى غامبيا في مطلع سبعينيات القرن الماضي، في فترة كانت فيها البلاد، التي خرجت حديثا من الاستعمار البريطاني، تعمل على ترسيخ اللغة الإنجليزية كلغة رسمية وإدارية وتعليمية، بينما بقي التعليم العربي محصورا في الكتاتيب التقليدية.

وبدأ الراحل رحلته التعليمية في ظروف صعبة، حيث درس تحت الأشجار، معتمدا على مبادرات فردية بسيطة، قبل أن تتطور تجربته إلى شبكة مدارس عربية امتدت في مناطق مختلفة من البلاد.

وواجه خريس تحديات صحية في سنواته الأولى بسبب اختلاف المناخ والبيئة، لكن المرض لم يثنه عن مشروعه، بل واصل العمل بإصرار، واضعا نصب عينيه هدفا واضحا هو تمكين آلاف الأطفال من تعلم اللغة العربية والعلوم الشرعية والإنسانية، وفتح مسارات أكاديمية أمامهم في الجامعات العربية.

إرث تعليمي راسخ

وتوسعت المدارس التي أسسها لتشمل مئات الفصول، وتخرج فيها آلاف الطلاب، وكثير منهم شغلوا لاحقا مناصب قيادية في قطاعات التعليم والقضاء والإدارة والعمل الدعوي.

وأصبح اسم خريس مرتبطا في الوعي المحلي بمشروع إحياء اللغة العربية، في مواجهة توجهات تعليمية مدعومة من مؤسسات غربية عززت حضور اللغة الإنجليزية كلغة للارتقاء الاجتماعي والوظيفي.

وشهدت غامبيا خلال العقود الماضية تنافسا ثقافيا وتعليميا بين أنماط تعليمية مختلفة، في ظل إرث استعماري بريطاني عميق الأثر، غير أن التعليم العربي حافظ على مكانته، مدفوعا بعلاقات دينية وثقافية مع العالم العربي والإسلامي.

رمز العطاء والتفاني

وفي هذا السياق، مثل خريس نموذجا فريدا، إذ اعتمد على همة ذاتية وإيمان راسخ وشبكات تبرع محلية وخارجية، بالإضافة إلى علاقات مع مؤسسات تعليمية عربية، لترسيخ مشروعه وتطويره.

وكرمت جهات رسمية وأهلية في غامبيا الراحل عمر خريس في السنوات الأخيرة تقديرا لإسهاماته، فيما ظل متمسكا بعمله حتى أيامه الأخيرة، محاطا بطلابه وأجيال تعتبره الأب الروحي لمسيرتهم التعليمية.

وكان من المزمع إجراء حوار مفصل معه لتوثيق تجربته، لكن القدر لم يمهله، ليبقى أثره ماثلا في مؤسسات تعليمية قائمة، وفي مسارات آلاف الخريجين الذين حملوا لغة الضاد إلى آفاق أرحب داخل المجتمع الغامبي.

برحيل عمر خريس، يطوى سجل حافل بالعطاء والعمل الدؤوب، ويبقى اسمه خالدا في ذاكرة الأجيال التي نهلت من علمه وأخلاقه.