شكل قرار وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان بالغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام خطوة متوقعة في ظل تداعيات الحروب والازمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد. واعتمدت الوزارة في قرارها على استبدال الامتحانات الرسمية بالتقييم المدرسي الداخلي كبديل اضطراري لتجاوز العقبات اللوجستية والامنية التي تمنع اجراء الاختبارات الموحدة في موعدها. وكشفت هذه الخطوة عن حجم التحديات التي يواجهها القطاع التربوي خاصة بعد اتخاذ اجراءات مماثلة من قبل المؤسسات التعليمية الاجنبية في لبنان مما يعكس حالة من عدم الاستقرار التي باتت تهدد مستقبل الاجيال القادمة.
واوضحت الوزارة ان الامتحانات الثانوية ستظل قائمة مع تقليص في المناهج الدراسية وتمديد فترة الامتحانات لضمان سير العملية التعليمية باقل الاضرار الممكنة. واكد خبراء واكاديميون ان هذه القرارات وان كانت ضرورية الا انها تاتي في سياق تراجع مدوي في جودة التعليم وقدرة الطلاب على اكتساب المهارات الاساسية. واظهرت المتابعات الميدانية ان تحول العديد من المدارس الرسمية الى مراكز للنزوح ادى الى تراجع ايام التدريس الفعلية بشكل كبير مما يعمق الفجوة بين ما يتلقاه الطالب من معارف وبين المتطلبات الاكاديمية المطلوبة.
وبين مراقبون ان النظام التربوي اللبناني يواجه خطرا وجوديا يتمثل في بروز ما يشبه الفيدرالية التعليمية التي تكرس التفاوت الطبقي والمناطقي بين المتعلمين. واضاف هؤلاء ان المدارس الخاصة لا تزال قادرة على الحفاظ على استقرار كوادرها وبرامجها بينما تعاني المدارس الرسمية من دمار او اقفال كامل في المناطق غير الامنة مما يجعل تكافؤ الفرص مجرد شعار بعيد عن الواقع. وشدد اكاديميون على ان استمرار هذا التفاوت يضرب وحدة النظام التربوي ويجعل التحصيل العلمي مرهونا بالقدرة المادية والوضع الجغرافي للطالب اكثر من اي وقت مضى.
مخاطر الفيدرالية التعليمية على مستقبل التعليم
وتحدثت نسرين شاهين رئيسة رابطة الاساتذة المتعاقدين عن انقسام حاد في القطاع التعليمي حيث توجد نسبة كبيرة من المدارس خارج النظام كليا بسبب النزوح والدمار. واكدت ان هناك بونا شاسعا بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد الذي اثبت محدودية فاعليته في ظل غياب البنية التحتية اللازمة لجميع الطلاب. وبينت ان الغاء الشهادة المتوسطة كان قرارا لا مفر منه نظرا لغياب العدالة في تلقي المناهج بين المدارس الخاصة التي انهت برامجها والمدارس الرسمية التي تعثرت في مسارها الدراسي.
واوضحت شاهين ان خلق مستويين تعليميين في البلاد سيؤدي حتما الى تدهور عام في المخرجات التربوية الوطنية. واضافت ان التعامل مع الواقع يجب ان يكون بمرونة تامة لضمان عدم ضياع حقوق الطلاب الذين تضرروا من ظروف الحرب. واكدت ان التحديات الامنية واللوجستية تجعل من الصعب فرض معايير موحدة في ظل تفاوت الفرص التعليمية المتاحة لكل فئة من الطلاب.
وذكر الباحث محمد شمس الدين ان المخاوف المتعلقة بتأثير الغاء الشهادات الرسمية على فرص الالتحاق بالجامعات الخارجية ليست دقيقة بالضرورة. واضاف ان الجامعات الكبرى تعتمد معايير تقييم خاصة بها تتجاوز الامتحانات الرسمية المحلية. وبين ان النظام التربوي اللبناني سبق وشهد الغاء شهادات رسمية دون ان يؤثر ذلك على كفاءة الخريجين الذين يتبعون مسارات اكاديمية عالمية.
توقعات لمستقبل الاجيال في ظل الازمات
وقالت منى فياض الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية ان البلاد امام مستقبل مأزوم لاجيال كاملة عانت من انقطاع الدراسة لسنوات طويلة. واضافت ان الوضع الراهن يرثى له ومن المتوقع ان نشهد هبوطا في المستوى التعليمي للغالبية العظمى من الطلاب. وشددت على ان استعادة الوضع التعليمي الطبيعي ستتطلب سنوات طويلة من الاصلاحات الجادة بعد توقف الحرب.
واكدت فياض ان المسؤولية تقع الان على عاتق الادارات المدرسية في ظل غياب الشفافية والفساد الذي قد يطال عمليات التقييم الداخلي. واضافت ان وضع الاساتذة المتردي يفاقم من تعقيدات المشهد التربوي ويجعل من استعادة الثقة بالنظام التعليمي تحديا كبيرا. وبينت ان التحدي لا يقتصر على المناهج فقط بل يمتد ليشمل البيئة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطالب والمعلم على حد سواء.
