يحتفظ الحاج ابو اسامة النجار بمفتاح قديم وقارورة تراب في زاوية من ذاكرته التي ترفض النسيان، حيث لا يرى في هذه المقتنيات مجرد قطع من زمن ولى بل يعتبرها بقايا وطن غادره بجسده وبقي فيه بروحه. قال الحاج ابو اسامة ان هذه الذكريات ليست مجرد حنين للماضي، موضحا ان كل عام يمر يؤكد له ان العودة الى بلدته الفالوجة ليست مجرد حلم بل هي حقيقة مؤجلة ينتظر تحقيقها بكل ثقة وايمان.
واضاف وهو يمسك بمفتاح منزله الذي اغلق قبل عقود، ان قلبه ما زال يسكن ذلك البيت الذي ينتظر فتحه من جديد، مبينا ان استنشاق تراب بلدته من القارورة الصغيرة يمنحه شعورا باستعادة عمر كامل في لحظة واحدة. واكد ان النكبة في الخليل ليست حدثا تاريخيا توقف عند حدود الماضي، بل هي واقع معاش يمتد ليطال تفاصيل حياة الفلسطينيين في كل ركن من اركان مدينتهم.
وكشفت جولات ميدانية في الخليل عن وجه اخر للمأساة يجسده ابو انس الذي يجلس فوق ركام منزله المهدم مع احفاده، حيث يروي لهم حكايات التهجير التي لم تعد مجرد قصص للجدود بل واقعا يفرضه الاحتلال على الاطفال يوميا. واظهرت المشاهد كيف تحولت الغرف التي كانت تعج بالحياة الى احجار متناثرة، بينما يصر الاطفال على ممارسة طفولتهم وسط حضور عسكري يفرض نفسه على كل تفصيل في المكان.
نكبة تتجدد في تفاصيل المعاناة اليومية
وبين ابو انس ان فكرة الاستقرار اصبحت بعيدة المنال حتى في الخيام التي تمنعها سلطات الاحتلال، موضحا ان العائلة حاولت نصب خيام بديلة بعد الهدم لكنها واجهت المنع والتهديد. واشار الى ان ما يعيشه الفلسطينيون هو سلسلة متصلة من الخسارات، مبينا ان النكبة التي بدأت منذ ثمانية وسبعين عاما لم تنته فصولها بل تتجدد يوما بعد يوم في صورة نكبة دائمة.
واضاف ثائر الشريف وهو شاب من مخيم العروب ان معاناته تبدأ مع بزوغ الفجر حين يواجه خمس بوابات عسكرية وحواجز تفصل بينه وبين عمله، مؤكدا ان المخيم الذي نشأ كملاذ للاجئين اصبح اليوم معتقلا كبيرا تحيط به القيود من كل جانب. وبين ان الحياة اصبحت رحلة شاقة من الانتظار والتفتيش والاقتحامات، مما يجعل من اللجوء حالة قائمة ومستمرة بكل ما تحمله من مرارة وقهر.
واكد العديد من اللاجئين ان تقليصات الخدمات في وكالة الاونروا تعد فصلا جديدا من فصول الضغوط التي تهدف الى تصفية قضيتهم، موضحين ان الازمات السياسية والتمويلية تنعكس بشكل مباشر على واقع التعليم والصحة. واضافوا ان هذه المعاناة لا تتوقف عند حدود الحواجز بل تمتد لتطال كل المؤسسات التي انشئت لخدمتهم، مما يعزز شعورهم بأن النكبة تلاحقهم في كل تفاصيل حياتهم من البيت الى المخيم وحتى في احلام العودة المؤجلة.
