يستحضر الحاج محمد مدوخ ذكريات عمره التي تجاوزت التسعة عقود، حيث يربط بين رحلته القسرية من يافا عام 1948 وبين واقع الإبادة الذي يعيشه اليوم في غزة. واوضح المسن ان تجربة الاقتلاع الأولى كانت قاسية، لكن ما يشهده في الوقت الراهن يفوق كل تصورات الفزع التي اختزنها في ذاكرته طوال سنوات الشتات. واكد مدوخ انه يرفض النزوح مجددا، مبينا ان قراره نابع من قناعة راسخة بعدم تكرار مأساة الماضي التي سلبته بيته ودفعت عائلته نحو المجهول.
ذاكرة بين مدينتين
وكشف مدوخ عن تفاصيل دقيقة لتلك اللحظات التي غادر فيها منزله في يافا، موضحا ان والده كان يأمل في عودة سريعة لم تتحقق ابدا. واضاف ان المقارنة بين النكبتين تظهر ان المعاناة الحالية تحمل وجوها اكثر قسوة، حيث تجمعت كل صور الفقد في وقت واحد. وشدد على ان تمسكه بالبقاء في غزة هو رفض صريح لتكرار تجربة الخيام التي طبعت حياته منذ طفولته.
التاريخ يعيد نفسه في الخيام
وبين الحاج عطية الطيبي ان حياته دارت حول حلقة مفرغة من المعاناة، اذ عاد ليعيش في خيمة مشابهة لتلك التي لجأ إليها وهو طفل. واشار الى ان الحرب الحالية لم تكتفِ بسلب منزله، بل نالت من جسده وصحته، مما جعله يواجه التشتت وهو في أرذل العمر. واضاف ان الحنين الى ايام يافا لا يزال يضيء عتمة خيمته الحالية، رغم كل ما فقده من رغد العيش ودفء البيت.
صمود رغم انعدام المأوى
واكدت السيدة هالة شبات انها تحاول جاهدة تحويل خيمتها الى مساحة تشبه البيت، مبينة انها تستخدم ابسط الادوات المتاحة لترتيب حياتها من جديد. واوضحت ان التحدي الاكبر لا يكمن في قسوة الطبيعة، بل في فقدان الخصوصية مع وجود اسرتها في مساحة ضيقة للغاية. واضافت ان روحها التي ترفض الاستسلام تدفعها لزراعة الشتلات وتجميل المكان، كنوع من المقاومة اليومية لظروف النزوح.
الخيمة كوثيقة بقاء
وبين الباحث التاريخي نسيم ابو شلوف ان الخيمة في الوجدان الفلسطيني ليست مجرد مأوى مؤقت، بل هي شاهد حي على صدمة وجودية مستمرة. واظهر ان الفرق الجوهري بين خيام الماضي واليوم هو ان الاخيرة تقام تحت وطأة الحرب وفي ظروف اكثر انكشافا. واضاف ان دور النساء في اعادة تأهيل هذه الخيام يعكس قدرة الفلسطيني على تحويل المأساة الى فعل مقاومة للبقاء.
النكبة التي لا تنتهي
وكشفت تقارير الامم المتحدة ان حجم النزوح في قطاع غزة وصل الى ارقام قياسية، حيث يعيش قرابة مليوني شخص في ظروف مأساوية. واضافت البيانات ان الحاجة الى مأوى مناسب تتزايد يوما بعد يوم مع تضرر اعداد كبيرة من الخيام الموجودة. واكد الواقع الميداني ان النكبة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي واقع يومي يعيشه الفلسطينيون في ظل استمرار عمليات التهجير وتدمير البنى التحتية.
