بين استعادة الروتين واحتواء القلق، عاد الطلاب إلى مدارسهم في دولة قطر بعد فترة قصيرة من التعلم عن بعد، في اختبار لقدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق التوازن بين استئناف الدراسة وتوفير بيئة آمنة تعيد للطلاب شعورهم بالاستقرار، في ظل تداعيات إقليمية متسارعة.
في صباحه الأول، تمسك الطالب سالم بحقيبته أكثر من المعتاد، لا لأنه نسي شيئا، بل لأن شعورا خفيفا بالقلق رافقه حتى بوابة المدرسة، يقول للجزيرة نت إن الطريق كان كما هو، والوجوه نفسها، لكن داخلي ما كان بالهدوء نفسه، داخل الصف، شارك في الدرس وضحك مع زملائه، لكنه ظل يراقب التفاصيل من حوله، ملتقطا أطراف أحاديث عن الأحداث يسمعها في البيت أو يمر بها على وسائل التواصل.
ومع مرور الساعات بدأ التوتر يتراجع، لأن إيقاع اليوم الدراسي عاد يفرض نفسه، يختصر سالم شعوره بقوله: حسيت إن كل شيء طبيعي، حتى لو مب كل شيء طبيعي صج، بين الحصص ولقاءات الأصدقاء، وتركيز المعلم على الطمأنة دون الدخول في تفاصيل مثقلة، بدأت المسافة بين القلق والاعتياد تضيق، في تجربة تلخص حال كثير من الطلاب في عودة سريعة إلى مقاعد الدراسة، بين واقع يفهمونه جزئيا وحياة يومية تستأنف بإيقاع شبه معتاد.
بيت ثان وروتين يعيد التركيز
تؤكد إدارة أكاديمية قطر التابعة لمؤسسة قطر، في حديث للجزيرة نت، أن العودة إلى التعليم الحضوري أعادت للطلاب شعورا مهما بالاستقرار، موضحة أن المدرسة بالنسبة لكثير من الطلاب بيت ثان، وأن العودة إلى الحرم المدرسي منحتهم إحساسا بالأمان والعودة إلى روتين يعرفونه جيدا.
وتشير الإدارة إلى أن الأيام الأولى كانت إيجابية إلى حد كبير، مع تفاعل ملحوظ من الطلاب واندماج سريع في تفاصيل اليوم الدراسي، وأن العودة إلى روتين منظم ساعدتهم على استعادة تركيزهم، مع مشاركة واضحة في الحصة منذ اليوم الأول.
وعن التعامل مع تساؤلات الطلاب حول التطورات الجارية، توضح الإدارة أن المدرسة تتبنى نهجا هادئا ومتوازنا في النقاش، نحرص على تبسيط الصورة بما يناسب أعمارهم، وتشجيعهم على التفكير وطرح الأسئلة، دون إثارة القلق أو تقديم معلومات تتجاوز ما يحتاجونه.
المعلم.. نقطة توازن بين المنهج والدعم النفسي
وتضيف أن التأكيد المستمر على دور الجهات الرسمية في تقديم التحديثات يسهم في ترسيخ الشعور بالطمأنينة، خاصة في ظل وجود مؤسسات واضحة الأدوار، وهو ما يساعد الطلاب على الشعور بأن الأمور تحت السيطرة.
في ما يخص الجانب النفسي، توضح إدارة الأكاديمية أن المعلمين تلقوا توجيهات لدعم الطلاب عاطفيا، مع التركيز على خلق بيئة صفية آمنة وهادئة.
وتشدد على أن المعلم يلعب دورا محوريا في مساعدة الطلاب على الشعور بالراحة والاستقرار، وأن التوازن بين استكمال المنهج وتقديم دعم نفسي أساسي ممكن ومطلوب، لأن شعور الطالب بالأمان هو الأساس الذي يجعل التعلم أكثر فاعلية.
كيف يظهر القلق عند الطلبة؟
يقدم المرشد النفسي في أكاديمية قطر، في حديثه للجزيرة نت، قراءة أعمق لانعكاس هذه الظروف على الطلاب، لافتا إلى أن القلق لا يظهر دائما في صورة كلام مباشر، بل يتجلى عبر مستويات متعددة.
ويبين أن الأعراض الجسدية قد تشمل آلاما متكررة في المعدة أو الرأس دون سبب طبي واضح، واضطرابات في النوم أو كوابيس، أما على المستوى السلوكي، فقد يظهر القلق في صورة تعلق زائد بالوالدين، أو تردد في الذهاب إلى المدرسة، أو انسحاب من الأنشطة الاجتماعية.
ويمتد التأثير إلى الجانب المعرفي، عبر صعوبة التركيز والنسيان وتشتت الانتباه، إلى جانب مظاهر عاطفية مثل البكاء دون سبب واضح، أو الشعور بالخدر العاطفي وعدم التفاعل المعتاد مع الأحداث.
الأطفال يشعرون قبل أن يفهموا
يلخص المرشد النفسي الفكرة بقوله إن الأطفال يشعرون قبل أن يفهموا، وأن الغموض قد يكون بالنسبة لهم أكثر إزعاجا من الواقع نفسه، فيميلون إلى ملء الفراغ بتصوراتهم الخاصة، ومن بين التغيرات التي رصدت بعد العودة: زيادة النشاط أو الخمول بشكل لافت، الحساسية الزائدة تجاه الأصوات أو الأخبار، وصعوبات مؤقتة في التعلم لدى بعض الطلاب.
في مواجهة هذه التحديات، تعتمد المدارس -وفق قوله- على مجموعة من الآليات المتكاملة، تبدأ بتهيئة بيئة صفية منظمة، وتوظيف أساليب تعبيرية مثل الرسم واللعب والكتابة، إضافة إلى جلسات تعبير جماعي تمنح الطلاب مساحة للحديث عما يشغلهم، مع تدريب المعلمين على الاستماع الفعال دون إصدار أحكام.
كما تشمل الجهود تنظيم ورش توعوية لأولياء الأمور، والتعاون مع مختصين في الصحة النفسية عند الحاجة، خاصة في الحالات التي تستدعي متابعة أعمق.
السلامة.. تدريبات روتينية بلا إثارة للذعر
ويشير إلى أن استجابات الطلاب تختلف حسب العمر، فالقلق عند الصغار قد يظهر في صورة خوف من الانفصال عن الأهل، بينما ينعكس لدى المرحلة المتوسطة في تراجع الأداء الدراسي أو الميل إلى العزلة، في حين يميل بعض طلاب المرحلة الثانوية إلى التساؤلات الوجودية أو السلوكيات الرافضة.
ويختم بالقول إن العودة إلى المدرسة بعد فترة اضطراب ولو كانت قصيرة ليست مسألة أكاديمية فقط، بل جزء من عملية تكيف وتعاف، مشددا على أن ما يبدو سلوكا صعبا أحيانا قد يكون في جوهره رسالة بحاجة إلى فهم واحتواء.
على صعيد السلامة، يوضح مسؤول تدريبات الطوارئ في إحدى المدارس للجزيرة نت أن المؤسسات التعليمية تواصل تنفيذ برامج منتظمة تشمل تدريبات الإخلاء، والبقاء في المكان، والإغلاق، إلى جانب التوعية العامة بإجراءات السلامة.
استعدادات شاملة
ويضيف أن هذه التدريبات تقدم للطلاب باعتبارها ممارسات اعتيادية مشابهة للاحتياطات اليومية المعروفة، كالتدريب على الإخلاء في حالات الحريق، بما يضمن ترسيخ السلوك الصحيح دون إثارة الخوف.
ويتم تقييم أداء الطلاب من خلال مراقبة سرعة الاستجابة والالتزام بالتعليمات والتنظيم العام، على أن تراجع النتائج مع الكادر التعليمي بهدف التحسين المستمر، ويشير إلى أن هذه البرامج شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا في وضوح الإجراءات، وتعزيز أنظمة التواصل داخل المدرسة، وزيادة الوعي لدى الطلاب والكوادر.
ويؤكد أن الرسالة الأساسية التي تسعى المدارس لترسيخها هي: الحفاظ على الهدوء، واتباع التعليمات، والثقة بأن هذه الإجراءات وضعت لضمان سلامة الجميع.
في السياق نفسه، أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي عن اكتمال الاستعدادات في المدارس الحكومية والخاصة لاستئناف الدراسة الحضورية، بعد استكمال ترتيبات هدفت إلى تهيئة البيئة المدرسية المناسبة لاستقبال نحو 417 ألف طالب وطالبة، وضمان انتظام العملية التعليمية بكفاءة واستقرار.
وأوضحت الوزارة أن إدارة الخدمات العامة اضطلعت بدور محوري في تجهيز المباني والمرافق التعليمية عبر الصيانة الوقائية والتحقق من كفاءة الأنظمة التشغيلية والخدمات الفنية، بما يسهم في توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة تدعم انتظام اليوم الدراسي.
كما أشارت الوزارة إلى حزمة من الإجراءات المساندة، شملت تنظيم الملتقى التدريبي ارتقاء 3 لمعلمي وقادة المدارس لتعزيز الجاهزية المهنية والمرونة النفسية، وتعميم الإرشادات التنظيمية الخاصة بإجراءات الأمن والسلامة في الحالات الطارئة لتوحيد الاستجابة ورفع مستوى الجاهزية.
وفي ما يخص الدعم التربوي والنفسي، عقدت إدارة شؤون المدارس والطلاب اجتماعات مع النواب الإداريين والاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين، لبحث آليات استقبال الطلاب وتهيئتهم للعودة إلى البيئة المدرسية بعد فترة التعلم عن بعد، وتعزيز صحتهم النفسية بما يسهم في استقرارهم وتهيئة بيئة تعليمية محفزة على التعلم.
