مع اذان المغرب وانتهاء ساعات الصيام الطويلة، يترقب الكثيرون لحظة الافطار بنشاط وحيوية، الا ان الواقع قد يكون مختلفا، حيث يشعر العديد من الاشخاص بالثقل والنعاس والكسل بعد تناول وجبة الافطار، وتعتبر هذه الظاهرة شائعة في شهر رمضان، ولها تفسيرات فسيولوجية وسلوكية مدعومة بمراجع طبية وبحثية معتمدة.
وبعد ساعات من الامتناع عن الطعام، يكون مستوى الجلوكوز في الدم منخفضا نسبيا، وعند تناول وجبة غنية بالكربوهيدرات البسيطة مثل العصائر المحلاة والحلويات والخبز الابيض، يرتفع سكر الدم بسرعة، مما يدفع البنكرياس الى افراز كميات كبيرة من الانسولين.
وتشير تقارير صادرة عن Mayo Clinic ان هذا الارتفاع السريع قد يعقبه هبوط نسبي في سكر الدم، وهو ما قد يسبب شعورا بالتعب والنعاس بعد الاكل، خاصة اذا كانت الوجبة عالية بالسكريات المكررة.
تاثير تدفق الدم وتناول الوجبات الدسمة
وتؤكد ابحاث فيزيولوجية منشورة في دوريات علمية مثل National Institutes of Health ان عملية الهضم تتطلب زيادة في تدفق الدم الى المعدة والامعاء.
و هذا التحول في توزيع الدم قد يرافقه شعور بانخفاض الطاقة او الميل الى الراحة، خصوصا بعد وجبات كبيرة ودسمة، حيث يستهلك الجسم طاقة اضافية في تفكيك الدهون والبروتينات.
الوجبات الغنية بالدهون واللحوم الثقيلة تبطئ افراغ المعدة، مما يزيد الشعور بالامتلاء والنعاس، كما ان تناول الطعام خاصة الذي يحتوي على كربوهيدرات يحفز افراز السيروتونين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالاسترخاء والهدوء.
اضطراب الساعة البيولوجية والجفاف
وتوضح مراجعات علمية في مجلات التغذية السريرية ان الافراط في الاكل يزيد ما يسمى بـ "الاستجابة ما بعد الاكل" (Postprandial response)، وهي حالة طبيعية لكنها قد تتضخم عند تناول كميات كبيرة دفعة واحدة.
ويتميز رمضان بتغير واضح في مواعيد النوم والاستيقاظ، مما يؤثر في الساعة البيولوجية الداخلية.
وتبين ابحاث حول ايقاع النوم ان السهر الطويل والاستيقاظ للسحور يؤديان الى تقطع النوم وانخفاض جودته، وهو ما ينعكس تعبا عاما يظهر بوضوح بعد الافطار، حين ينتقل الجسم فجاة من الصيام الى الهضم في ظل نقص الراحة الليلية.
نصائح للحد من الخمول بعد الافطار
وحتى مع شرب الماء عند الافطار، قد يكون الجسم قد عانى من جفاف نسبي خلال النهار، خصوصا في الاجواء الحارة.
و الجفاف الخفيف مرتبط علميا بانخفاض التركيز والشعور بالارهاق، وفق تقارير منشورة في دوريات التغذية والصحة العامة.
واستنادا الى توصيات غذائية صادرة عن مؤسسات طبية معتمدة، يمكن الحد من الشعور بالكسل عبر البدء بوجبة خفيفة (تمر وماء او شوربة) ثم تاجيل الوجبة الرئيسية، وتجنب الافراط في السكريات البسيطة والمشروبات المحلاة، وتقليل الدهون الثقيلة والمقليات.
وشرب كميات كافية من الماء على فترات متباعدة، والحفاظ على عدد ساعات نوم كاف ومنتظم قدر الامكان، وممارسة نشاط بدني خفيف بعد الافطار بساعة او ساعتين.
والخمول بعد الافطار يمثل استجابة طبيعية لتغيرات مفاجئة في التغذية والنوم، غير ان استمراره بشكل شديد او مصحوب باعراض اخرى مثل الدوخة المتكررة او الاغماء يستدعي استشارة طبية.
وفي النهاية، يظل الاعتدال في كمية ونوعية الطعام هو العامل الاهم لتجنب "صدمة الافطار" التي يحولها البعض الى عادة يومية خلال الشهر الفضيل.
