تزدحم الأسواق الدمشقية بالمتسوقين الذين يبحثون عن حاجيات شهر رمضان من مواد غذائية وحلويات ومشروبات تقليدية، كما هو معتاد عشية رمضان وفي أيامه الأولى، وسط أجواء مفعمة بالحيوية وأضواء الفوانيس التي تزين المحال، إضافة إلى أصوات مكبرات الصوت التي تصدح بالأغاني والأناشيد الرمضانية، مما يبعث البهجة والفضول في نفوس المارة.

وبينما يتهافت الأطفال على بسطات المشروبات والمأكولات الرمضانية بشهية ملحوظة، يلتفت الكبار إلى عروض الأسعار التي تتنافس بها المحال مع بداية الشهر الفضيل، وفي مشهد ملؤه الحياة، يتبادل الأقارب والغرباء المعايدات والتبريكات بمناسبة حلول الشهر المبارك.

وفي حين حافظ المجتمع الدمشقي على عادات وطقوس رمضانية أصيلة، تراجعت عادة أخرى تحت وطأة التحولات الاقتصادية، بينما اندثرت عادات أخرى بسبب التطور التكنولوجي وغياب دورها الوظيفي.

سوق الجزماتية و"تكميلة الإفطار"

في الأحياء الدمشقية، ما يزال شهر رمضان الكريم يحضر بوصفه موسما اجتماعيا استثنائيا، إلى جانب كونه شهرا دينيا للتقرب من الله والعبادة، إذ يحرص الأقارب خلاله على تبادل الدعوات إلى موائد الإفطار بعد أن تكون مشاغل الحياة قد أبعدتهم عن اللقاء طيلة أيام السنة.

وتعتبر عادة "اللمة على الإفطار" من أبرز العادات التي حافظت على نفسها في سوريا عموما ودمشق خصوصا، حيث تمثل فرصة لإعادة توطيد العلاقات بين الأقارب وممارسة أنشطة مشتركة كالإفطار في أحضان الطبيعة ببساتين غوطة دمشق أو في المرتفعات حيث النسيم العليل بمدينتي الزبداني وبلودان.

وحول العادات المرتبطة بمائدة الإفطار، قال الحاج أبو كرم (61 عاما)، وهو حلونجي في سوق الجزماتية، إن هناك الكثير من العادات الرمضانية التي ترتبط بتفاصيل المائدة اليومية وما تزال حاضرة إلى يومنا.

تبييض السفرة والتكريزة

ومنها ما يعرف بـ"تكميلة الإفطار"، وفيها يقدم صحن حلو عربي مشكل أو "أرغفة الناعم" (أرغفة محمصة مع دبس عنب) بعد وجبة الإفطار، إلى جانب مشروبات تقليدية مثل العرقسوس أو التمر الهندي، وفقا لأبي كرم.

ويلفت أبو كرم إلى أن سوق الجزماتية المشهور بـ"مطبخ الشام" يشهد خلال رمضان انتشار بسطات الناعم والمعروك ومشروبات التمر الهندي والعرقسوس وغيرها من المنتجات المرتبطة بعادة تكميلة الإفطار.

واضاف الحلونجي الستيني أنه وزملاءه في الجزماتية يحرصون على تقديم أصناف جديدة مرتبطة بهذا الشهر خصيصا، مثل "المغشوشة" و"النقش" (النمورة المحشية) و"الغريبة بالقشطة"، وجميعها حلويات رمضانية ما عدا النمورة التي صارت مؤخرا تباع على مدار العام.

تقاليد تراجعت وأخرى اندثرت

أما أمجد القصيباتي (32 عاما)، أحد سكان حي الميدان الدمشقي، فيؤكد استمرار أهالي الشام على تقليد "تبييض السفرة" في الأيام الأولى من رمضان، وهو تقليد تقوم العائلات الدمشقية باتباعه من خلال إعداد أطباق اللبن المطبوخ، مثل الشاكرية والكبة اللبنية والكوسا باللبن (شيخ المحشي)، بوصفها فأل خير ببداية الشهر الكريم.

كما لفت أمجد إلى أن عادة "تكريزة رمضان"، وهي اجتماع الأقارب في الأيام الأخيرة من شعبان على الموائد، ما تزال حاضرة في المجتمع الدمشقي، وإن كانت قد انتقلت من الحدائق ومناطق الغوطة قبل الحرب إلى المنازل بفعل تغير الظروف.

على الجهة الأخرى، أشار أمجد إلى أن بعض التقاليد الاجتماعية تراجعت خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها عادة "السكبة"، وهي تبادل أطباق الإفطار بين الجيران.

إنشاد ديني وزينة مبهجة

ويعزو هذا التراجع إلى الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مما قلص قدرة كثير من الأسر على إعداد كميات إضافية من الطعام أو المشاركة في طقوس كانت تعكس سابقا روح التكافل والتواصل بين سكان دمشق.

ومع ذلك، أوضح القصيباتي أن جوهر العادات الرمضانية الدمشقية ما يزال قائما، ولو بأشكال أبسط تتكيف مع الواقع المعيشي الجديد.

بالرغم من محافظة المجتمع الدمشقي على عدد من العادات والطقوس المرتبطة بالشهر الفضيل، إلا أن تقاليد أخرى أخذت بالتراجع لأسباب متباينة.

وفي هذا السياق، أشارت أمل جبان، مدرسة من سكان حي باب سريجة بدمشق، إلى أن عددا من العادات الرمضانية التي شكلت جزءا من هوية المدينة "الاجتماعية" تراجعت أو اندثرت مع سنوات الحرب.

واوضحت جبان أن "لمة العائلة" حول مائدة الإفطار، والتي كانت تمثل أحد أبرز ملامح رمضان في دمشق، لم تعد كما كانت في ظل موجات الهجرة الواسعة التي شهدتها المدينة في سنوات الحرب وتفرق الأقارب بين الداخل والخارج.

وتابعت السيدة الأربعينية حديثها بالإشارة إلى غياب بعض مظاهر التكافل البسيطة التي كانت تميز أحياء دمشق، ومن بينها عادة قيام بعض الجيران بتوزيع مصاحف صغيرة مع قطع من الحلويات قبيل موعد الإفطار في طقس اجتماعي يحمل رمزية المشاركة والبركة.

ومن جهته، يتحسر عهد عيسى، تاجر ألبان وأجبان من مواليد دمشق وسكان ريفها، على اندثار ظاهرة "المسحراتي" الذي كان يطوف الأزقة ليلا مرتديا زيه التراثي وحاملا طبلته ومناديا بأسماء السكان لإيقاظهم للسحور مع جملة "اصحى يا نايم.. وحد الدايم".

واعتبر أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببا أساسيا في اندثار هذا التقليد العريق، الذي كان يجعل من سكان الحي يبدون وكأنهم عائلة واحدة ينادي عليهم المسحراتي بأسمائهم وألقابهم كأنهم في بيت مشترك.

واضاف عهد أن حضور "الحكواتي" في المقاهي الدمشقية خلال ليالي رمضان انحسر بدوره، ولم يعد حاضرا إلا بشكل محدود في مقهى النوفرة، وسط تراجع الإقبال مقارنة بما كان عليه الحال في السابق بسبب انتشار الهواتف المحمولة والأجهزة الحديثة.

وتستمر تقاليد الإنشاد الديني في المساجد مع اقتراب الشهر الفضيل وفي أيامه الأولى، ولا سيما في الجامع الأموي، حيث يجتمع المنشدون لتقديم وصلات إنشادية قبيل السحور تتضمن أناشيد تراثية معروفة مثل "رمضان تجلى وابتسم".

وفي المقابل، تراجعت موائد الإفطار الجماعية في الحارات الدمشقية القديمة مقارنة بالماضي، غير أن المبادرات الخيرية ما تزال حاضرة، سواء عبر تنظيم موائد متفرقة أو توزيع وجبات إفطار مجانية على الصائمين، في ظل حرص عدد من الأهالي والمقتدرين في مدينة دمشق على تقديم الصدقات والزكاة خلال الشهر.

كما تبقى الزينة جزءا ثابتا من صورة المدينة في رمضان، إذ تتزين الأزقة بالفوانيس وحبال الأضواء احتفاء بقدومه، في محاولة للحفاظ على الطابع الاحتفالي للشهر رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية.

ويعكس رمضان في دمشق اليوم مزيجا من الاستمرارية والتغير، إذ تتراجع بعض الطقوس التقليدية تحت ضغط الظروف، فيما تبقى أخرى صامدة بوصفها جزءا من الذاكرة الجمعية للمدينة.