في خضم الحرب المستمرة في غزة، فتحت حكومة الاحتلال الاسرائيلي جبهة جديدة، تستخدم فيها الكاميرا كسلاح موجه نحو جسد الاسير الفلسطيني، فلم يعد التنكيل بالاسرى مجرد حوادث فردية خلف الجدران، بل اصبح عرضا دعائيا تبثه القنوات الاسرائيلية، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الخفية وراء هذا الترويج الاعلامي مع قرب الموافقة على قوانين اعدام الاسرى ومحاكمات مقاتلي كتائب القسام.
يثار هنا سؤال حول ما اذا كنا نشهد حملة انتخابية لليمين المتطرف تهدف الى استعادة وحدته من خلال الانتقام، ام مشروعا اعمق يهدف الى اعادة صياغة مفهوم السابع من اكتوبر في الوعي الاسرائيلي، وذلك بتحويل يوم "الاذلال القومي" الى قصة استعادة السيطرة بالقوة عبر اذلال الاسير الفلسطيني، الذي يعتبر رمزا وطنيا.
هل نحن امام دعاية انتخابية لليمين المتطرف تعيد توحيد قاعدته عبر الانتقام؟ ام امام مشروع اعمق لاعادة انتاج معنى 7 اكتوبر في الوعي الاسرائيلي؟ عبر تحويل يوم "الاذلال القومي" الى حكاية استعادة السيطرة بالقوة عبر اذلال الاسير الفلسطيني بوصفه رمزا وطنيا؟
معاناة الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال
يبلغ عدد الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي حوالي 10 الاف اسير، معظمهم من الضفة الغربية والقدس، وتعتبر اسرائيل اسرى غزة مقاتلين غير شرعيين، ولا يوجد رقم محدد لاسرى غزة، لان الاحتلال يحتجزهم عبر مسارين مختلفين، الاول عبر منظومة مصلحة السجون الاسرائيلية، والثاني عبر مراكز احتجاز يديرها الجيش خارج اطار السجون الرسمية.
وبحسب اخر احصائيات مؤسسات الاسرى الفلسطينية حتى مطلع فبراير، تصنف اسرائيل 1249 اسيرا تحت بند المقاتلين غير الشرعيين، وهم يشكلون الغالبية العظمى من اسرى غزة، وقد يشمل هذا التصنيف ايضا معتقلين عربا من لبنان وسوريا، ومع ذلك، يبقى الرقم المعلن غير دقيق، لوجود اسرى فلسطينيين من غزة يصنفون فلسطينيا في عداد المفقودين، وترفض اسرائيل تقديم اي معلومات عنهم، سواء كانوا في سجونها او اعدموا ميدانيا من قبل جنود الاحتلال.
واكدت منظمة هموكيد الاسرائيلية، المعنية بقضايا الاسرى الفلسطينيين، في تقرير لها في اكتوبر الماضي، ان مئات من سكان غزة اختفوا بعد احتجازهم من قبل الجيش، وذكرت المنظمة انها قدمت 54 التماس احضار محتجز خلال شهرين فقط، وفي بعض الحالات، نفى الجيش وجود اي اشارة الى الاعتقال على الرغم من وجود شهود، بالاضافة الى مئات الحالات الاخرى التي لم تستكمل قضائيا لاسباب اجرائية.
الاعدام والمحاكمات الخاصة للاسرى
تشير احدث بيانات نادي الاسير الفلسطيني الى ان عدد شهداء الحركة الاسيرة داخل السجون واماكن الاحتجاز الاسرائيلية منذ بدء الحرب على غزة في 7 اكتوبر 2023، وصل الى 88 شهيدا حتى 15 فبراير، من بينهم 52 شهيدا من اسرى غزة، وتربط تقارير حقوقية اممية هذه الظاهرة بنمط متكرر من التعذيب الشديد وسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الطبية والاجهاد، والتجويع المفرط، ورفض او تعطيل تنفيذ اوامر قضائية تتعلق بالعلاج او شروط الاحتجاز.
واعتبرت المفوضية السامية لحقوق الانسان في تقرير نشر في سبتمبر الماضي، هذه العوامل جزءا من اساءة ممنهجة تستوجب وقفها فورا، كما اشارت تقارير حقوقية الى ان مسار الاحتجاز العسكري منذ اكتوبر 2023 اتسم ايضا بغياب الشفافية والاخفاء القسري ووقوع وفيات في مرافق مثل سديه تيمان ومراكز اخرى، مما يعقد التحقق من العدد الفعلي واسباب الوفاة لكل حالة، ويحول شهداء الاسرى الى عنوان مكثف لمعركة اوسع على الحقيقة والمحاسبة خلال الحرب.
يدفع وزير الامن القومي ايتمار بن غفير بقوة لاقرار قانون اعدام الاسرى الفلسطينيين، على الرغم من المطالبات الداخلية بعدم اقرار القانون بصيغته الحالية، لانه يضر بصورة اسرائيل في الساحة الدولية، وينشر الوزير المتطرف تصريحات عديدة حول اعدام الاسرى وطرق تنفيذ الاعدام، مصحوبة بمشاهد للقمع الذي يتعرض له الاسرى الفلسطينيون اثناء وجوده مع وحدات القمع التابعة لمصلحة السجون، التي تقع تحت سلطته المباشرة.
التنافس السياسي على حساب الاسرى
تظهر العديد من المشاهد قيام هذه الوحدات بضرب الاسرى وتقييدهم واذلالهم، واجبارهم على الركوع على ركبهم تحت قدمي بن غفير، مهددا اياهم بقرب تنفيذ حكم الاعدام، ولا ياتي اصرار بن غفير على قانون الاعدام كحالة فردية، بل هو حالة اجماع عامة اسرائيلية، فقد شارك في تقديم قانون اعدام الاسرى الفلسطينيين عدد من اعضاء الكنيست من مختلف الاحزاب، وقد مر القانون بالقراءة التمهيدية في 11 نوفمبر 2025، باغلبية 39 عضوا (من اصل 120)، مقابل 16 صوتوا ضده، وفق هيئة البث الاسرائيلية الرسمية.
كما تم اقرار قانون محاكمة نخبة القسام بالقراءة التمهيدية في 13 يناير الماضي، وستتم محاكمتهم امام محاكم خاصة مع بث الجلسات بشكل علني على الانترنت، واعتبر مراقبون حينها ان القانون يمثل اخطر تحول قضائي منذ قيام دولة الاحتلال، لانه يؤسس لمنظومة استثنائية تدمج بين المنطق الامني والعقيدة السياسية، وتحول القضاء الى ذراع من اذرع الحرب النفسية والانتقامية الثارية ضد الفلسطينيين.
وسيسمح القانون للمحكمة بالخروج عن قواعد الاجراءات والادلة المعتادة بسبب عدم مقدرة الشرطة والادعاء الاسرائيلي على تقديم ادلة تدين الاسرى بالمشاركة في السابع من اكتوبر، كما ينص القانون صراحة على ان المحكمة ستكون مخولة بفرض عقوبة الاعدام على الاسرى الفلسطينيين بعد السابع من اكتوبر، واعتبر المختص في الشؤون الاسرائيلية نائل عبد الهادي في حديثه للجزيرة نت ان الجمع بين الاعدام والمحاكمات الخاصة لا يقتصر على تشديد العقوبة، بل يعيد رسم الاسير كمادة سيادية "من ملف امني الى ملف هوية قومية يهودية يختبر عبره اليمين قدرته على فرض تعريفه للردع والعدالة على الساحة السياسية".
استعادة الهيبة الاسرائيلية
ياتي ذلك في ظل عام انتخابي مصيري، ويترافق مع نشر صور المداهمات والاذلال داخل السجون، ليصبح الهدف مزدوجا: تبرير التشدد قانونيا، وبناء قبول شعبي لاجراءات تدفع تدريجيا لتصبح طبيعية ومقبولة، بات التطرف ضد الفلسطينيين في اسرائيل بعد السابع من اكتوبر هو العملة الاكثر رواجا خصوصا بين المعارضة والائتلاف.
كما يدرك ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتحديدا قطبا اليمين المتطرف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وبن غفير فضلا عن اعضاء كثر من حزب الليكود، ان رصيدهم الجماهيري يتغذى على صور النصر السهل فوق اجساد الاسرى الفلسطينيين العزل، فبن غفير يسوق التنكيل بالاسرى والضغط لاعدامهم كمنجز ملموس يقدمه لجمهوره امام فشله في ملفات الامن الداخلي الاسرائيلي وعلى راسها العنف والجريمة المنظمة، مما اجبر حتى اعضاء الليكود على التنافس ليثبتوا انهم اشد تطرفا ضد الفلسطينيين، واكثر حزما.
كما ياتي دعم قانون اعدام الاسرى من قبل جهات امنية على راسها جهازا الموساد والشاباك بعد ان كانوا يعارضون هذه الخطوة مما يعكس مدى الحالة التنافسية على جسد الاسير الفلسطيني، في حلبة صراع البقاء السياسي لنتنياهو وشركائه، كما اجبرت المعارضة بقيادة يائير لبيد وبيني غانتس وغيرهم على التماهي مع هذا الملف الساخن، الذي بات مرتبطا بالذاكرة الجمعية الاسرائيلية، فمعارضة هذه الاجراءات تعني الضعف امام "الارهاب" في عرف الشارع الاسرائيلي.
مصير الاسرى في ظل القوانين الجديدة
ويشير المختص عبد الهادي الى ان عرض مشاهد اذلال الاسرى كانجاز يمنح صاحبها رصيدا شعبويا سريعا، يفوق اثر اي نقاش اقتصادي او اجتماعي داخلي فبن غفير بات يدور حول 7-10 مقاعد في استطلاعات الراي المختلفة، مع تراجع حظوظ شريكه سموتريتش الى دون العتبة الانتخابية"، بات الاسير الفلسطيني رمزا مناسبا لعملية اعادة ترميم الهيبة القومية، خصوصا مع ارتباط السابع من اكتوبر بتحطيم الهيبة الاسرائيلية وبالذات درة تاجها من جنود وضباط بصدمة وجودية للاوعي الاسرائيلي، فانهيار صورة الجيش الذي لا يقهر من جهة واهتزاز عقيدة الردع، وانكشاف فشل طبقات اجهزة الامن المختلفة.
وما يقوم به بن غفير في سجونه، وجيش الاحتلال في مراكز الاعتقال، من انتهاكات واختفاء قسري، ليس مجرد عقوبة بل ولا انتقاما لحظيا، وانما هو رسالة عنوانها: نحن نستعيد هيبتنا، وكلما خفت روح الانتقام بين الاسرائيليين بفعل الارهاق وطول الحرب والخسائر وتعدد الجبهات، يجري ضخ مشاهد القسوة ضد الفلسطيني عموما والاسرى خصوصا، لاعادة شحن حالة الانتقام الجمعية، كما توجه هذه المشاهد الجمهور الاسرائيلي الى عدم البحث عن المسؤولية عن حالة الاذلال الوطني في العقل الجمعي الاسرائيلي بسبب السابع من اكتوبر، وهذا يفسر لماذا ترتبط هذه المشاهد غالبا بزيارات رسمية وبحضور اعلامي.
بعد اعلان وقف اطلاق النار في اكتوبر ضمن خطة الرئيس الامريكي دونالد ترمب اغلقت كل الصفقات القريبة لاطلاق الاسرى الفلسطينيين وبات مصيرهم رهينا بالاجراءات الاسرائيلية خصوصا اسرى غزة، الذين بات مصيرهم يتجه الى المجهول في ظل حالة الاجماع الداخلي على قانوني الاعدام والمحاكمات الخاصة قانون نخبة القسام، باتت ظروف الاسرى الحالية من قمع وتجويع واذلال، واعدام ميداني، واغتصاب، واخفاء قسري، امرا واقعا، لا تراجع عنه، في ظل حالة الاجماع الداخلي الاسرائيلي من جهة وروح الانتقام، التي تسيطر على الكل الاسرائيلي.
وضع النظام القضائي الاسرائيلي الاجراءات القانونية التي كانت تحيل الاسرى الفلسطينيين سابقا الى محاكم عسكرية، وتكفل لهم تمثيلا قانونيا بمحامين فلسطينيين، خلف ظهره، فقد رفضت المحكمة العليا الاسرائيلية عشرات الالتماسات المقدمة من محامين، ومؤسسات حقوقية اسرائيلية، خصوصا ما له علاقة بتحسين ظروف حياة الاسرى الفلسطينيين او الكشف عن مصير المختفين قسريا او حتى التخفيف من التعذيب، وحذرت مؤسسات حقوقية من ان الاوضاع الراهنة في السجون الاسرائيلية قد تدفع الاسرى لتنفيذ هجمات ضد السجانين الاسرائيليين بعد تحول السجن لمراكز اعدام صامت.
