ينتظر سكان قطاع غزة بفارغ الصبر نتائج ملموسة لاجتماع مجلس السلام الذي انعقد مؤخرا في واشنطن، اذ يتطلع الفلسطينيون إلى تحسين ظروفهم المعيشية الصعبة في ظل النقص الحاد في الاحتياجات الأساسية، ورغم الوعود بتقديم 17 مليار دولار لإعادة الإعمار وتأهيل قوة شرطية جديدة، الا ان العديد من الملفات الهامة التي تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان لم يتم التطرق إليها.

ويرى محللون سياسيون أن مجلس السلام ركز بشكل أساسي على نزع سلاح المقاومة، متجاهلا الخطوات التي يجب على إسرائيل اتخاذها بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب، وهذا التركيز يثير قلق الفلسطينيين الذين يتطلعون إلى حل شامل وعادل يضمن حقوقهم الأساسية.

ويبقى السؤال المطروح: ما الذي ينتظره سكان غزة فعليا من هذا المجلس؟ وهل سيتمكن من تحقيق السلام والاستقرار المنشودين؟

تطلعات سكان غزة من مجلس السلام

قال الكاتب والمحلل السياسي ثابت العمور إن القضية الفلسطينية كانت غائبة عن اجتماع مجلس السلام، واكد أن حضورها اقتصر على رئيس اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وأوضح أن سكان غزة ينتظرون من المجلس منع خروقات وقف إطلاق النار، وإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة، والبدء الفوري في إعادة الإعمار.

واضاف العمور أن تشكيل مجلس السلام جاء بهدف متابعة اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه يضفي شرعية على جرائم الاحتلال، وبين أنه لا يُعقل أن تكون إسرائيل عضوا في المجلس بعد ارتكابها جرائم إبادة جماعية، وشدد على ضرورة الاعتراف بأن فلسطين قضية احتلال وتقرير مصير، وليست مجرد مساعدات إنسانية.

ولخص العمور تطلعات سكان غزة في أمرين: وقف الإبادة الشاملة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وتقرير المصير.

استمرار الانتهاكات الإسرائيلية

من جهته، يرى المحلل السياسي إياد القرا أن قرارات مجلس السلام لم تعالج القضايا الرئيسية، واقتصرت على توفير التمويل وإعادة تشكيل جهاز الشرطة، وأضاف أن هذا يثير تساؤلات حول كيفية التعامل مع الملف الأمني في ظل وجود آلاف العناصر الذين لا يزالون في الخدمة.

واكد القرا على أهمية معالجة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في غزة، مشيرا إلى إهانة المسافرين عبر معبر رفح، وبين أن تقريرا رسميا رصد 1808 انتهاكات إسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار، مما أسفر عن استشهاد وإصابة المئات من الفلسطينيين.

واضاف التقرير أن قوات الاحتلال سمحت بدخول 259 شاحنة مساعدات يوميا فقط، من أصل 600 شاحنة متفق عليها، وفيما يتعلق بمعبر رفح، فقد بلغ عدد المسافرين 1371 مسافرا فقط من أصل 3700.

تخوفات من تغييب الهوية الفلسطينية

يرى القرا أن انعقاد مجلس السلام يكشف محاولة لتغييب الهوية الفلسطينية، حتى عن اللجنة الوطنية التي شُكلت بناء على خطة ترمب، ولفت إلى أن المجلس لم يعلن عن موعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر، ولا عن مواعيد وآليات نشر القوة الدولية لحفظ السلام.

وقال القرا إن هذه الملفات لا تزال معلقة، ويحتاج الفلسطينيون إلى إجابات واضحة بشأنها، ونوه إلى وجود إحباط بسبب عدم اتخاذ خطوات عملية لتخفيف الأوضاع المعيشية الصعبة في غزة، وأضاف أن اللجنة الإدارية لم تبدأ مهامها بعد، بالتزامن مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية.

ويعتقد القرا أن الأيام القادمة ستمثل اختبارا حقيقيا لتنفيذ ما تم الإعلان عنه خلال اجتماع مجلس السلام، بما في ذلك نشر قوة الاستقرار وإعادة الإعمار، حتى وإن كان ذلك مرتبطا بنزع السلاح.

الإعمار مقابل نزع السلاح.. معادلة مرفوضة؟

من جانبه، يرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن إدارة الصراع في غزة تتجه نحو نموذج "الحرب الهجينة"، حيث يتم استخدام الإعمار والشرعية الأمنية الدولية كأدوات ضغط لإعادة تشكيل الحكم والأمن، واكد أن نزع السلاح يعتبر شرطا أساسيا لاستئناف الحياة الطبيعية في غزة.

ويعتقد عفيفة أن المطالبة المتكررة بنزع سلاح المقاومة تكشف عن المعادلة الجديدة التي يسعى العالم لفرضها: "إعمار وغذاء مقابل أمن، وسلاح مقابل استقرار"، ويرى أن الحديث عن قوة استقرار دولية وشرطة انتقالية يبدو هامشيا أمام إعادة تشكيل الحكم والأمن بعيدا عن إرادة الفلسطينيين.

ومع تأكيده على أن العديد من المطالب المعيشية لسكان غزة لم تتحقق، وأنها مرتبطة بنزع سلاح المقاومة، يطرح عفيفة ثلاثة مسارات أمام المقاومة للتعامل مع هذا الإصرار: الرفض والصدام، المقايضة السياسية، والانتظار.