في تحول تاريخي غير مسبوق، بدات الحواس في خذلاننا، اذ لم يعد القول الماثور "الرؤية هي التصديق" كافيا في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.

فبفضل الثورة الهائلة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي، انتقلنا من التلاعب البسيط بالصور إلى عصر التزييف العميق، حيث الوجوه المولدة رقميا لا تضاهي الحقيقية فحسب، بل تتفوق عليها في بعض الاحيان.

كيف يصنع الذكاء الاصطناعي الوهم المثالي؟

تعتمد الوجوه المزيفة الحديثة على تقنية شبكات الخصومة التوليدية المعروفة اختصارا بـ GANs، وتقوم فكرة هذه الشبكات على وجود خوارزميتين تعملان في صراع دائم.

واضاف ان المولد يحاول انشاء وجه بشري، بينما يحاول المميز كشف الزيف، ومن خلال هذا الصراع المكرر ملايين المرات، يصل المولد إلى قدرة مذهلة على محاكاة ادق التفاصيل البشرية.

كما ان هذه الانظمة لا تكتفي بنقل الملامح، بل تحاكي القياسات الحيوية اللينة، مثل حركة الاوعية الدموية تحت الجلد التي تعطي البشرة نضارتها الطبيعية، وانعكاس الضوء على قرنية العين، وهذا المستوى من الدقة جعل التمييز بالعين المجردة امرا شبه مستحيل.

لماذا نصدق الوجوه المزيفة؟

تشير الدراسات الحديثة، ومنها دراسة بارزة نشرتها الاكاديمية الوطنية للعلوم "بي ان ايه اس" (PNAS)، الى ان البشر الان يجدون الوجوه المولدة بالذكاء الاصطناعي اكثر جدارة بالثقة من الوجوه البشرية الحقيقية.

وبين ان ذلك يعود لعدة اسباب، اولها تجنب العيوب، فالخوارزميات تميل لانتاج وجوه متوسطة الملامح، والدماغ البشري يميل غريزيا للثقة بالوجوه المالوفة والمتناسقة التي تخلو من الحدة او العيوب الظاهرة.

واوضح ان السبب الاخر هو سقوط الوادي الغريب (Uncanny Valley)، فالوجوه الرقمية سابقا كانت تسبب شعورا بالنفور بسبب اخطاء طفيفة، لكن الذكاء الاصطناعي تجاوز هذه الفجوة تماما، مما جعل استجابتنا العاطفية تجاه الوجه المزيف تتطابق مع استجابتنا للوجه الحقيقي.

تحديات مرعبة تفتحها الوجوه المزيفة

ان قدرة الالة على خلق وجوه لا وجود لها، او استبدال وجه شخص باخر في مقطع فيديو، تفتح الباب امام تحديات مرعبة.

واكد ان من بين هذه التحديات تآكل الدليل الجنائي والسياسي، ففي عالم يعتمد على الفيديو دليلا قاطعا، يصبح التزييف العميق سلاحا لتدمير السمعة او تزوير الاعترافات، فالقادة السياسيون قد يظهرون في مقاطع يحرضون فيها على العنف، وبينما يستغرق التحقق التقني ساعات او اياما، يكون التاثير الاجتماعي قد حدث بالفعل.

واشار الى ان من بين التحديات ايضا الهندسة الاجتماعية والاحتيال، اذ لم يعد المحتالون بحاجة لسرقة هويتك فقط، بل يمكنهم ارتدائها، فالمكالمات المرئية المزيفة اصبحت اداة لاختراق الشركات والحصول على تحويلات مالية ضخمة عبر انتحال شخصية المدير التنفيذي بصوته وصورته.

هل من سبيل للعودة إلى الحقيقة؟

لمواجهة هذا المد المتصاعد، بدا العالم يتجه نحو الطب الشرعي الرقمي، حيث تبتكر شركات مثل مايكروسوفت وادوبي تقنيات "الاصل الرقمي" (Digital Provenance).

واضاف ان هذه التقنيات عبارة عن وسم مشفر يلتصق بالصورة او الفيديو منذ لحظة التقاطه بالكاميرا لضمان عدم التلاعب به.

ومع ذلك، تظل المعركة بين المزور والكاشف سباق تسلح تكنولوجي لا ينتهي، فكلما تطورت ادوات الكشف، تعلمت خوارزميات التزييف كيف تتجاوزها.

كيف تكتشف الوجه المزيف؟

وبما اننا نعيش عصر الشك المنهجي، فيمكنك استخدام التوجيهات الاتية للتحقق الرقمي عند مشاهدة فيديو مشكوك فيه.

وشدد على ضرورة فحص العلامات البيولوجية، مثل نمط رمش العين، والبحث عن شخص يرمش قليلا جدا او بطريقة الية سريعة ومريبة، فغالبية نماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال تواجه صعوبة في محاكاة حركة الاجفان العفوية.

واكد على اهمية تزامن الشفاه، وملاحظة مخارج الحروف الانفجارية مثل الباء والميم، فاذا كان هناك تاخير بجزء من الثانية او لم تطبق الشفتان تماما، فانت امام تزييف عميق، بالاضافة الى فحص انعكاس الضوء، ففي العين الحقيقية، يكون انعكاس الضوء في الحدقة متطابقا في العينين، اما في المزيف، فقد يختلف شكل الانعكاس او مكانه بين العين اليمنى واليسرى.

أدوات التحقق الرقمي تكشف التزييف

كما يمكنك مواجهة هذا المد المتصاعد، من خلال ادوات ظهرت لهذا الامر وتعتمد على الطب الشرعي الرقمي.

واشار الى ان من بين هذه الادوات ديب وير سكانر (Deepware Scanner) لفحص روابط الفيديوهات وكشف التلاعب، واضافة ان فيد (InVID Verification Plugin) لتقسيم الفيديو الى اطارات والبحث عن اصل كل صورة، ومبادرة اصالة المحتوى (Content Authenticity Initiative – CAI) التي تقودها شركات مثل ادوبي لتطوير اوسمة مشفرة تضمن اصل المحتوى.

واختتم المراقبون بالقول ان عصر "رايت بعيني" قد انتهى فعليا، وان العالم انتقل الى عصر الشك المنهجي، حيث تصبح مهارة التفكير النقدي والبحث عن المصدر اهم من حاسة البصر نفسها، فالحقيقة لم تعد ترى، بل تستنتج.