أثارت تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام حول إنشاء مجلس الشيوخ، استكمالا لتنفيذ بنود معلقة في "اتفاق الطائف"، جدلا سياسيا داخليا واسعا حول شكل النظام اللبناني ومستقبله.
وقال سلام، خلال مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة، إنه من الممكن الانتقال إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بحيث يتم حصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ، وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي لتأمين المشاركة الوطنية.
وبين سلام أن هذا النظام يهدف إلى تحقيق مشاركة مواطنية أوسع، مؤكدا على ضرورة العودة إلى المادة 95 من الدستور وتطبيقها بالكامل دون اجتزاء أو تشويه.
إحياء روح "الطائف"
بهذا الطرح، وضع سلام مسألة مجلس الشيوخ في سياق استعادة روحية "الطائف"، وليس في إطار تعديل جذري للنظام، فالمادة 22 تنص صراحة على استحداث مجلس شيوخ بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، على أن تمثل فيه العائلات الروحية وتحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
غير أن هذا المسار بقي معلقا منذ عام 1990، في ظل تعثر إلغاء الطائفية السياسية.
التطبيق الشامل أولا
من زاوية قانونية، أكد الخبير الدستوري سعيد مالك أن المادة 22 من الدستور تتعلق باستحداث مجلس شيوخ، غير أن هذا الأمر يبقى معلقا في انتظار إلغاء الطائفية السياسية، مشيرا إلى أن المادة 95 نصت صراحة على أنه إلى حين إلغاء الطائفية السياسية، يتولى مجلس النواب المشكل مناصفة بين المسيحيين والمسلمين السلطة التشريعية.
وأوضح أن الانتخابات النيابية المنتظرة في الربيع يفترض أن تشكل محطة للذهاب جديا إلى تطبيق اتفاق الطائف، لافتا إلى أن في طليعة ما يجب العمل عليه هو استحداث مجلس شيوخ استنادا إلى نصوص تشرع في حينه.
وبشأن نظام المجلسين، عد مالك أن الأمر يحتاج حكما إلى تعديل دستوري لبيان صلاحية كل مجلس على حدة، مؤكدا أن هذا المسار يجب أن يستتبع بتعديل لعدد من مواد الدستور، إذ أثبتت الممارسة أن هناك كثيرا من المواد بحاجة إلى إعادة نظر.
العربة أمام الحصان
وفتح هذا الطرح نقاشا سياسيا بين مؤيد ومعارض، ورأى عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب جورج عقيص أن النقاش الدستوري المطروح حاليا، لا سيما بشأن إنشاء مجلس الشيوخ أو اعتماد نظام المجلسين، قد يكون مستندا إلى نصوص الدستور وله ما يبرره قانونا، لكنه لا ينسجم مع سلم الأولويات الوطنية في هذه المرحلة.
ورأى أن البحث في "الطائف" أو إنشاء مجلس شيوخ أو إلغاء الطائفية السياسية يفترض أن يأتي بعد تحقيق المساواة الفعلية بين اللبنانيين تحت سقف الدولة الواحدة، عادًّا أن أي إصلاح دستوري في ظل واقع السلاح سيبقى قاصرا أو مشوبا بالخلل.
صعوبة التطبيق
وبشأن طرح نظام المجلسين، لفت عقيص إلى أن هذا النموذج نجح في دول عدة تعتمد مجلس نواب ومجلس شيوخ، لكنه استدرك قائلا: في الحالة اللبنانية الراهنة، يصعب تطبيق أي صيغة إصلاحية كبرى قبل معالجة الخلل الأساس المتصل بالسلاح غير الشرعي.
وفي مقاربة أشمل للنظام السياسي، طرح عقيص رؤيته القائلة إن الطائفية والدولة المركزية بصيغتهما الحالية لا تنتجان إصلاحا حقيقيا، عادًّا أن خفض منسوب الطائفية يقتضي الانتقال إلى صيغة لا مركزية موسعة، بحيث تحصر الاعتبارات الطائفية ضمن السلطات المحلية، فيما تتحرر السلطة المركزية من القيد الطائفي.
سلة متكاملة
ورأى أن الإصلاح الدستوري سلة متكاملة لا يمكن تجزئتها، فلا يمكن اختيار بند وترك آخر، وأي مسار إصلاحي جدي يفترض السير بالتوازي نحو حصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق اللامركزية، وإنشاء مجلس الشيوخ، ضمن رؤية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس واضحة وثابتة.
انتظام العلاقة
النائب ملحم خلف، من جهته، رأى أن الحديث عن العودة إلى نظام المجلسين يندرج في صلب تطبيق "اتفاق الطائف" لا خارجه، مشددا على أن الإشكالية في لبنان ليست في النصوص الدستورية بقدر ما أنها في كيفية انتظام الحياة العامة وتحرير العلاقة بين المواطن والدولة.
وقال خلف إن تطبيق "الطائف" يجب أن يعيدنا إلى الفكرة الأساسية التي قام عليها، أي بناء دولة تنتظم فيها الحياة العامة بشكل واضح، وتقوم على علاقة مباشرة بين المواطن والدولة، وأشار إلى أن العلاقة منذ نشوء الكيان كانت تمر وجوبا بالطائفة، بحيث لا توجد صلة مباشرة بين المواطن والدولة، بل تمر عبر وسيط طائفي.
تصحيح العلاقة
واضاف أن تصحيح هذه العلاقة يقتضي تنقيتها، بحيث لا تبقى الطائفة وسيطا إلزاميا بين المواطن والدولة، موضحا أن ذلك لا يعني إلغاء الخصوصية اللبنانية أو البعد الإيماني المتجذر في المجتمع.
وقال: لبنان يتميز بخصوصية إيمانية وثقافية لا يمكن القفز فوقها أو إنكارها، ولا يجوز لأحد أن يتطاول عليها، لكن في الوقت نفسه ينبغي ألا تتحول هذه الخصوصية إلى عائق أمام قيام الدولة وأدائها.
ورأى خلف أن المخرج الدستوري يكمن في إخراج الطوائف من صلب العلاقة التنفيذية والتشريعية اليومية بين المواطن والدولة، ووضعها في موقعها الطبيعي ضمن مجلس شيوخ يتمتع بصلاحيات محددة، وأوضح أن صلاحيات مجلس الشيوخ يجب أن تنحصر في القضايا المصيرية كما نص عليها الدستور، مما يطمئن المكونات ويحرر مجلس النواب ليكون مجلسا وطنيا خارج القيد الطائفي.
