يستعد لبنان لمرحلة سياسية وأمنية دقيقة تتزامن مع تصعيد إسرائيلي تجاه حزب الله، حيث تلوح في الأفق تهديدات مباشرة لقياداته وكوادره العسكرية والأمنية، مع مطالب متزايدة بتسليم سلاحه للدولة.

وفي الوقت ذاته، تزداد الضغوط الخارجية لتأجيل الانتخابات النيابية المقررة في العاشر من مايو، بحجة عدم ملاءمة الظروف الحالية، مع التركيز على نزع سلاح الحزب ومنح حكومة الرئيس نواف سلام المزيد من الوقت لتنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية الضرورية لإنقاذ البلاد من أزماتها.

الا ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري اكد على ان الانتخابات النيابية ستجرى في موعدها المحدد، وكشف لـ«الشرق الأوسط» أنه أبلغ سفراء اللجنة الخماسية بأنه لا يؤيد تأجيل الانتخابات النيابية لأسباب تقنية أو التمديد للبرلمان.

بري يرفض التأجيل التقني للانتخابات

واضاف بري: «كنت أول من ترشح لخوض الانتخابات لقطع الطريق على من يحاول تحميلي مسؤولية تأجيلها التقني أو التمديد للبرلمان وإلصاق التهمة بي شخصيا؛ لذلك أردت تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر في الداخل والخارج بأنني متمسك بإنجازها حتى آخر دقيقة».

واوضح أنه اوعز لعدد من المرشحين المنتمين لحركة أمل بالترشح، وهذا ما حصل، إضافة إلى أنه طلب من الصديق عباس فواز الترشح عن المقعد الشيعي في الدائرة الـ16 المخصصة لتمثيل الاغتراب اللبناني بـ6 مقاعد توزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

واكد بري أنه لا مبرر من وجهة نظره لتأجيل الاستحقاقات الدستورية وعدم إتمامها في مواعيدها وأولها اليوم انتخاب مجلس نيابي جديد، مبينا أنها ماشية وأنه يتمسك بإنجازها في موعدها على أساس قانون الانتخاب النافذ حاليا، ومن يريد التأجيل عليه أن يتحمل مسؤوليته ولا يرميها على الآخرين.

تصعيد إسرائيلي وضغوط على لبنان

وبين بري أن هذا من شأنه وضع القوى السياسية أمام اختبار جدي للتأكد من مدى التزامها بإجراء الانتخابات في موعدها واستعدادها لخوضها.

وتطرق بري إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بلدات في البقاعين الأوسط والشمالي شرق لبنان، واصفا إياها بأنها حرب جديدة للضغط على لبنان للتسليم بشروط تل أبيب، على غرار تلك التي لا يزال يشهدها الجنوب وتشكل إحراجا للجنة الميكانيزم المكلفة بالإشراف على تطبيق وقف الأعمال العدائية.

واشار الى ان لبنان التزم بها في حين امتنعت إسرائيل عن تطبيقها منذ سريان مفعولها، ومن خلالها للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا اللتين كانتا وراء التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار ورعايتهما لتنفيذه.

رسائل تحذيرية لحزب الله

وفي هذا السياق، قال مصدر أمني بارز في معرض تعليقه على الغارات التي شنتها إسرائيل، إنها أرادت إعلام حزب الله بأنه لم يعد لديه من مكان آمن لحماية قيادييه وكوادره العسكرية والأمنية، ولا يصعب عليها اكتشافهم، وهي قادرة على ملاحقتهم واغتيالهم أسوة بما تقوم به في الجنوب وقبله في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى.

واضاف انه إن كانت هناك استحالة على حد قوله باستهدافها لمسؤوليه من دون أن تكون قد أحدثت خرقا أمنيا على الأرض، وهذا ما اعترف به أكثر من نائب مع التعهد في حينه بفتح تحقيق لكشف ملابساته وتوقيف الضالع فيه.

واكد المصدر الأمني لـ«الشرق الأوسط» أن الضربات الإسرائيلية تحظى بغطاء أميركي لتمرير رسالة تحذيرية للحزب، وكالعادة بالنار، وبالتالي فإن الغارات ما هي إلا عينة لما سيكون عليه الرد الإسرائيلي في حال قرر الانخراط في المواجهة إلى جانب إيران ردا على الضربات الأميركية التي يمكن أن تستهدف منشآتها النووية والعسكرية، ما لم ترضخ للضغوط التي تمارس عليها للتسليم بالشروط التي وضعها الرئيس دونالد ترمب في مقابل استئناف المفاوضات التي ما زالت معلقة على المسودة التي سيتقدم بها وزير خارجيتها عباس عراقجي والتي تتعلق بالسلاح النووي على حد قوله.

نصائح دولية للحزب وتقييم للوضع

وكشف أن إسرائيل تخطط لاستدراج حزب الله للانزلاق بالرد عليها ليكون في وسعها توسيع رقعة اعتداءاتها كما ونوعا لتأليب حاضنته عليه، وقال إن نصائح عربية وغربية كانت أسديت لحزب الله مباشرة أو بالواسطة بعدم التدخل على خلفية تهديد أمينه العام نعيم قاسم بعدم وقوفه على الحياد وإن كان لم يحدد طبيعة تدخله.

واوضح أن هذه النصائح هي الآن موضع تقييم عبر قنوات التواصل بين قيادة الحزب ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، من دون أن يستبعد أنها نوقشت في اللقاء الذي جمع الأخير برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد.

ولفت المصدر إلى أن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مسؤولين أمنيين وعسكريين في الحزب أثناء تناولهم الإفطار الرمضاني مساء الجمعة الماضية ما هي إلا استباقية لإبلاغ قيادته بأنها جادة بترجمة إنذاراتها إلى ضربات نوعية وغالبا ما ستكون في العمق البقاعي.

قلق دولي وتحذيرات جدية

واكد أن المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى لبنان جينين هينيس بلاسخارت كانت زارت إسرائيل مؤخرا وعادت بأجواء غير مريحة تدعو للقلق ولا يمكن الاستخفاف بها وعدم التعاطي معها بجدية.

وبين أنها حرصت على وضع أركان الدولة في الأجواء التي عادت بها من تل أبيب والتي تنطوي على إنذارات جدية لا تقتصر على التحذيرات، وخلاصتها أنها لن تسمح لحزب الله بالتدخل إسنادا لإيران وأن الرد عليه سيكون مكلفا له وللبلد على كافة المستويات.

وراى أن قيادة الحزب أحيطت بهذه الأجواء التي يفترض بها أن تأخذها على محمل الجد.

الضغط لنزع سلاح الحزب

وراى أن إسرائيل بتصعيدها وتيرة اعتداءاتها في البقاع تهدف للضغط على الحزب للتسليم بنزع سلاحه، وهذا يلقى تأييدا من المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة التي تدعو بلسان سفيرها لدى لبنان ميشال عيسى إلى تأجيل الانتخابات إلى ما بعد الانتهاء من حصرية السلاح على نحو يسمح بإنجازها بغياب سطوة سلاح الحزب على بيئته.

واضاف أن السفير عيسى هو بمنزلة رأس حربة في الخماسية بتحبيذه تأجيلها، وإن الحزب كما يقول يخطئ إذا كان يعتقد أو يراهن على حصول متغيرات في المنطقة تصب في صالح محور الممانعة بقيادة إيران بما يسمح للحزب بأن يستعيد ما خسره بإسناده لغزة.

واكد أن واشنطن في مفاوضاتها مع طهران نقلا عن السفير عيسى تصر على التخلص من أذرعها في الإقليم بدءا بلبنان، وسأل المصدر نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي: أين يصرف قوله إنه لم يعد أمامنا سوى خيار المقاومة؟ في رده على سقوط 8 شهداء نعاهم الحزب في الغارات الإسرائيلية على البقاعين الأوسط والشمالي.

ترقب وردود فعل محتملة

وسئل المصدر عن رد فعل حزب الله حيال النصائح التي أسديت له بعدم انخراطه في الرد في حال استهدفت الولايات المتحدة إيران، فأجاب بأن قيادة الحزب تصغي جيدا لهذه النصائح، لكنها تحرص على عدم البوح بموقفها الذي يبقى مدرجا على جدول أعمال المتابعة اليومية بين الحزب ممثلا في المعاون السياسي للأمين العام حسين خليل والمعاون السياسي لرئيس البرلمان النائب علي حسن خليل.

ويبقى السؤال: هل يتقدم استكمال تطبيق حصرية السلاح على الاستحقاق النيابي؟ وما هو المخرج لتأجيله؟ ومن سيأخذ على عاتقه طلب التمديد للبرلمان؟ وهل سيكون من نصيب الحكومة مع تمسك بري بإجراء الانتخابات أو أنه سيوكل للخماسية ولو بالواسطة إيجاد المخرج في حال ارتأت أن إجراء الانتخابات ليس أوانه الآن وأن الأولوية هي لحصرية السلاح ومواصلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي بحثا عن المخارج لإنقاذ البلد.

واختتم قائلا: لا سيما أن إنجاز الاستحقاق النيابي كما ينقل عن السفير عيسى قد لا يحمل متغيرات في المجلس المنتخب ومن الأفضل ترحيله إلى ما بعد جمع السلاح وتعافي البلد اقتصاديا؛ لأن حزب الله بعد جمعه غير ما هو عليه الآن باحتفاظه بسلاحه؟