في عام 1997، انتقل نايف إلى منطقة البرج في الأغوار الفلسطينية، بعد فترة قضاها في أم الجمال القريبة، وكان يبلغ من العمر 22 عاما حينها، وفي ذلك العام، تزوج وبدأ مرحلة جديدة في حياته.
قضى نايف قرابة ثلاثة عقود، أي 29 عاما، متنقلا بين الجبال القريبة والبعيدة عن خيامه، يرعى ماشيته دون خوف من أي خطر يعيق عمله، لكن في العامين الأخيرين، طرأ تغيير كبير قلب المنطقة رأسا على عقب، وأدخل نايف وعائلات أخرى في دوامة لا يبدو أنها ستنتهي قريبا.
بدأ الاستيطان الرعوي ببؤر وحظائر للماشية على قمم الجبال، ثم توسع تدريجيا بالاستيلاء على المراعي وإجبار الرعاة على تركها بالقوة، ثم بشن هجمات متتالية على الفلسطينيين في خيامهم.
تصاعد اعتداءات المستوطنين
قال نايف زواهرة: "بدأنا نواجه المستوطنين منذ عام 2018، لكن الأمور كانت طبيعية"، وأضاف أن المستوطنين أحضروا في تلك السنة قطيع بقر وأبقوه في الحظيرة، ثم بدأت الأمور تزداد سوءا بعد ذلك.
كان كل شيء بالنسبة لنايف محتملا، باستثناء مداهمة المستوطنين لخيامه ليلا ونهارا، وأوضح زواهرة أن هجمات المستوطنين تركزت في الفترة الأخيرة في الليل، وأنهم كانوا ينشرون الرعب في كل مكان.
يواجه الفلسطينيون في الشريط الشرقي لمحافظة طوباس مصيرا واحدا ومتشابها.
تهجير قسري من الأغوار
في الشهر الحالي، أجبرت اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين حوالي عشرين عائلة على ترك مساكنها في تجمعي البرج والميتة.
كان نايف من بين الذين هُجروا من البرج باتجاه منطقة تسمى صافح تياسير شمال شرق طوباس.
تعيش العائلات الفلسطينية التي أُجبرت على ترك مساكنها في الأغوار الشمالية شعورا بالفقد بشكل واضح.
شعور النكبة يتجدد
واقفًا أمام خيمته التي نصبها قبل أيام، قال زواهرة: "تركنا وراءنا أرضنا وخيامنا وكل شيء"، مبينا أن ثلاثة أجيال خرجت من الأغوار الشمالية، هم: هو وأولاده وأحفاده.
لكن نجله محمد تمكن في ذلك النهار من الوصول بحذر شديد مرة أخرى إلى مكان سكنه لجلب بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة.
مع استمرار هجرة العائلات من أماكن سكناها إلى مناطق أخرى، يثار تساؤل: هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟ للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى شهادة واحدة على الأقل ممن هُجرت عائلته عام 1948.
شهادات من النكبة
قالت يسرى من مخيم الفارعة للاجئين، وهي ممن شهدن النكبة بكل تفاصيلها، إن الزمن يعيد نفسه.
كانت "الكفرين"، وهي قرية قريبة من أم الفحم، وقد هُجرت منها يسرى، مليئة بينابيع المياه، ولذلك كانت جميلة لانتشار البساتين المزروعة بأصناف مختلفة من المحاصيل.
بالنسبة لنايف، فإن المناطق المفتوحة في الأغوار تصبح أجمل في الربيع، وقال: "هذه البلاد أيضا جميلة".
تشابه في الشعور بالفقد
إن التشابه في سرد الوصف الدقيق عن جمالية كل منطقة يعطي انطباعا متشابها عن الشعور بالفقد.
تقول يسرى: "عندما خرجنا من القرية ظننا أنها مدة قصيرة وسنعود... لم نأخذ إلا الأشياء الثمينة معنا".
لكن يبدو أن نايف لديه انطباعا مغايرا تماما، إذ قال لوكالة الأنباء الفلسطينية: "سنلاقي مصير أجدادنا الذين هُجروا في النكبة، لكن لن نأمل بالعودة قريبا".
مخططات إسرائيلية في الأغوار
إن ما يزيد هذا الاحتمال المشؤوم لدى نايف هي الدلالات التي تحدث على أرض الواقع، فالحديث الرسمي لدى بعض الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال عن فرض "السيادة الإسرائيلية" على الأغوار ومناطق أخرى في الضفة الغربية مؤشر قوي لذلك.
في اليوم الذي هُجرت فيه عائلة يسرى، كانت، حسب روايتها، مع طفلة أخرى تملآن جرتي فخار بالماء من إحدى الينابيع، وفي طريق عودتهما، لاقتا العائلات قد بدأت بالنزوح فعلا، وسبق ذلك اليوم هجمات للعصابات اليهودية على قرى قريبة من الكفرين.
واجه نايف وضعا أشد قسوة عندما وصل به الأمر إلى أن يلاحقه إرهاب المستوطنين حتى وسط خيامه، حتى أُجبر على ترك مسكنه والرحيل إلى منطقة قرب طوباس.
استمرار التهديدات
لكن، هل انتهت قصة نايف مع المستوطنين؟ الإجابة هي لا، وأوضح نايف أنه في نفس اليوم الذي بدأ بنصب خيامه في المكان الجديد، كان المستوطنون يراقبونه عن قرب.
وأضاف: "يبدو أننا لن ننعم كثيرا بليال هادئة"، ثم أشار بيده شمالا وقال: "هناك على رأس الجبل بؤرة استيطانية".
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي لعام 2025 ما مجموعه 23827 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.
تصاعد وتيرة الاعتداءات
تظهر المعطيات أن جيش الاحتلال كان الفاعل الرئيسي في هذه الانتهاكات بتنفيذه 18384 اعتداء، فيما نفذ المستوطنون 4723 اعتداء، إلى جانب 720 اعتداء نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستوطنين لم يعد فعلا هامشيا أو خارجا عن "سيطرة الدولة"، بل جزءا عضويا من سياسة رسمية توفر له الغطاء والحماية وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.
في واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المسماة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، ولم تعد الأرقام توصيفا محايدا للواقع، بل دليلا ماديا على مشروع سياسي استيطاني يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وعلى صعيد إرهاب المستوطنين، أسفرت الاعتداءات خلال العام 2025 عن استشهاد 14 فلسطينيا، إلى جانب إشعال 434 حريقا متعمدا في ممتلكات وحقول المواطنين، منها 307 حرائق في ممتلكات خاصة و127 حريقا في أراض زراعية، وتركز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل وطولكرم، كما وثقت الهيئة 892 اعتداء أدت إلى اقتلاع وتخريب وتسميم 35273 شجرة، من بينها 26988 شجرة زيتون، في استهداف مباشر للبعد الاقتصادي والرمزي للأرض الفلسطينية.
تهجير ممنهج
لم يتوقف هذا الإرهاب عند حدود التخريب، بل أدى إلى تهجير 13 تجمعا بدويا فلسطينيا تضم 197 عائلة بواقع 1090 فردا، في خطوة تعكس سياسة اقتلاع قسري ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.
