مع اقتراب شهر رمضان، يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس تصاعدا في القيود والاقتحامات من قبل قوات الاحتلال، مما يحول اجواء الشهر الفضيل الى معاناة مستمرة، فبين هدم المنازل وتشتيت العائلات، تزداد الضغوط على الفلسطينيين في هذا الشهر.
تحدثت تغريد الصابر "ام عمار"، وهي تقف على انقاض منزلها الذي هدمه الاحتلال في نابلس، عن مرارة فقدان "بيت العائلة" الذي لم يمر على بنائه سوى عشر سنوات، واضافت ان المنزل كان يضمها مع زوجها وابنتها، وابنها المتزوج وزوجته الحامل واطفالهما.
وبحزن شديد، بينت تغريد للجزيرة نت عن الاجواء الرمضانية التي كان من المفترض ان تجمع العائلة على مائدة واحدة، الا ان قرارات الاحتلال حالت دون ذلك وشتت شملهم.
معاناة مستمرة وتشتيت للعائلات
واستذكرت كيف كان اليوم الاول من رمضان في السنوات السابقة يشهد اجتماع العائلة بكامل افرادها وسط اجواء من الفرح والتحضيرات المبهجة، واكدت ان شعور الفقد هذا العام هو الاصعب على الاطلاق، وان الله لا يذوقه لاحد.
ولم تتوقف المعاناة عند فقدان المنزل والذكريات، بل امتدت الى تشتت افراد العائلة، فتحولت ايام رمضان بالنسبة لام عمار الى رحلة تنقل مستمرة بين بيوت ابنائها المتزوجين، لتعيش مرارة الحرمان من دفء بيتها الذي احتضن استقرارهم لسنوات.
في كل عام، يحل شهر رمضان على الفلسطينيين حاملا روحانية خاصة، غير ان الاحتلال يحوله الى ساحة تضييق اضافية، فالحواجز العسكرية تغلق الطرق وتؤخر الصائمين، وتتأثر الاسواق بالاغلاقات، بينما تواجه مئات العائلات اوامر وتهديدات بالهدم او مصادرة اراضيها.
اقتحامات في ليالي رمضان
في بلدة يعبد غربي جنين، عاثت اقتحامات جيش الاحتلال خرابا في موائد المتسحرين، وفي مشهد متكرر، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الاسير المقعد عدنان حمارشة، الذي مضى على اعتقاله الاداري الاخير سنتان واربعة اشهر.
وفي وقت السحور، لم يكتف الاحتلال بترويع العائلة، بل احدث تخريبا متعمدا في محتويات المنزل، واعتدى جنوده على افراد الاسرة، وتحديدا نجله عمر، الذي تعرض للضرب والخنق وجرى اعتقاله دون مبرر.
وياتي هذا الاقتحام عشية قرار الاحتلال تمديد الاعتقال الاداري للاسير المقعد عدنان حمارشة، بعدما كانت عائلته تستعد للافراج عنه في ثاني ايام رمضان.
سياسة التلاعب النفسي
وبحرقة بالغة، تحدثت ابنة الاسير، ليلى حمارشة، عما وصفته بسياسة "التلاعب النفسي" التي يمارسها الاحتلال بحق عائلتها، وقالت ان الاسرة توجهت الى حاجز "الظاهرية" على امل احتضان والدها بعد عامين واربعة اشهر من الاعتقال الاداري، وظلت تنتظر حتى منتصف الليل قبل ان تفقد الامل وتعود ادراجها، ولم تمض ساعات حتى تلقت العائلة صدمة تجديد اعتقاله.
واشارت ليلى الى ان هذا الاسلوب القاسي لكسر فرحتهم تكرر للمرة الثانية، فقد عاشوا الموقف ذاته قبل اربعة اشهر، حين صدر بحق والدها قرار بالافراج بدون تمديد بمجرد انقضاء الحكم الحالي، ليفاجئوا لاحقا بتمديد اعتقاله في اللحظات الاخيرة.
وتؤكد ليلى ان الاحتلال يسعى من خلال هذه الانتهاكات الى نزع طمانينة الشهر الفضيل واستهداف شعائره، فقد تعمدت القوات المقتحمة بدء عمليتها في تمام الساعة الرابعة فجرا، ليستمر التفتيش والتخريب لوقت طويل متزامنا تماما مع موعد "السحور"، كما قام الجنود بطرد المصلين من المسجد القريب.
استهداف الطقوس الاجتماعية
وبدوره، يعلق الناشط الفلسطيني صلاح الخواجا، قائلا ان ما يجري "جزء من عملية ترهيب ممنهجة تمتد حتى لحظة اذان الفجر"، ويرى ان استمرار الاقتحامات العسكرية في ساعات السحور والفجر يكرس حالة فزع يومي، تتجاوز البعد الامني الى استهداف الطقوس الاجتماعية والثقافية للشهر.
كما ان الاحتلال، برأيه، يستهدف الموروث الثقافي والتراثي الفلسطيني المرتبط برمضان المتمثل في شخصية "المسحراتي" حيث طاله التضييق، فبات في معظم القرى غير قادر على التجول في الاحياء بفعل الخوف والملاحقة.
ولا يقتصر هذا التنغيص على داخل المدن والبلدات، بل يتصاعد على الحواجز العسكرية المنتشرة بين المحافظات وعلى الطرق الخارجية، حيث يعمد الاحتلال الى اغلاق مداخل رئيسية وافتعال ازمات مرورية خانقة، لا سيما قبيل موعد الافطار، حسب الخواجا.
قيود على المسجد الاقصى
يقول مواطنون ان ساعات الانتظار الطويلة تحول دون وصولهم الى منازلهم في الوقت المناسب، وتحرم عائلات من الاجتماع حول موائدها الرمضانية، وبين ازدحام الطرق وتشديد الاجراءات، يصبح التنقل اليومي مع اقتراب الغروب معاناة اضافية تثقل تفاصيل الشهر.
الا ان اكبر عملية تنغيص وتضييق يمارسها الاحتلال بحق الفلسطينيين -حسب الخواجا- هي فرض قيود وشروط على المصلين الفلسطينيين في المسجد الاقصى المبارك، وتحديد اعمار المسموح لهم بدخول مدينة القدس للصلاة من الرجال فوق الـ55 عاما والنساء فوق الـ50.
ويشير الخواجا الى عمليات تفتيش ومحاولة اذلال للمصلين اثناء عبورهم الحواجز العسكرية، تحت ذريعة ما يسمى بـ"الاعتبارات الامنية"، وهي ذرائع تستخدم لمنع معتقلين سابقين او اقارب شهداء واسرى من الوصول الى المسجد الاقصى، ويقول ان "المعايير المعلنة نفسها تحاط بشروط اضافية تجعل حق العبادة خاضعا لتقديرات امنية متغيرة".
التقسيم الزماني والمكاني للاقصى
وتطرق صلاح الخواجا الى ما وصفه باجراءات جديدة وخطيرة ضاعفت من مستوى التضييق خلال الجمعة الاولى من شهر رمضان، موضحا ان الاحتلال فتح "مسارات" محددة يلزم المصلين بالمرور عبرها حصرا، مع اجبارهم على وضع بصماتهم لتسجيل ساعات الدخول والخروج، في الية اعتبرها تشديدا غير مسبوق على حركة الوافدين الى المسجد الاقصى.
و"في حال تاخر المصلي عن موعد الخروج المحدد بعد الصلاة -حتى وان كان ذلك بغرض زيارة عائلته او اقاربه داخل مدينة القدس- فانه يصبح بمثابة "مطلوب" للاحتلال، ويحرم من امكانية الوصول الى المسجد الاقصى في المرات القادمة".
كما اشار الخواجا الى تصريحات وزير الامن القومي الاسرائيلي المتطرف ايتمار بن غفير، التي تفاخر فيها باقتحام منطقة باب المغاربة في الجمعة الاولى من رمضان، في خطوة اعتبرها رسالة سياسية وامنية تحمل ابعادا تصعيدية.
القدس تحت الحصار
وفي مدينة القدس ايضا بلغت التضييقات ذروتها، حيث شددت قوات الاحتلال قيودها على المقدسيين بشكل غير مسبوق لا سيما في اعقاب احداث 7 اكتوبر/تشرين الاول، اذ منعت سكان البلدة القديمة من تزيين احيائهم كما جرت العادة ابتهاجا بقدوم الشهر الفضيل.
واوضح الناشط المقدسي اسامة برهم للجزيرة نت ان اجواء البهجة غابت عن منطقة باب العامود واحياء البلدة القديمة، بعد منع تعليق الزينة الرمضانية التي كانت تشهد تنافسا جماليا بين الحارات والاحياء العتيقة.
واشار برهم الى ان قرارات المنع طالت طقوسا متجذرة في الموروث المقدسي، بما في ذلك منع "المسحراتي"، واسكات مدفع رمضان، وعرقلة ادخال وجبات الافطار الى المسجد الاقصى، اضافة الى اغلاق مؤسسات ثقافية مثل جمعية "برج اللقلق" التي اعتادت اضاءة اكبر فانوس رمضاني في المدينة.
كما تطرق برهم الى سياسة الابعاد الممنهجة، موضحا ان اكثر من 1400 مقدسي صدرت بحقهم اوامر ابعاد عن المسجد الاقصى، بينهم خطباء وائمة وصحفيون، في وقت يفترض فيه ان يشهد المسجد اقبالا واسعا لاحياء صلوات التراويح وعمارة ساحاته كما في كل عام.
واضاف برهم ان جنود الاحتلال يواصلون استفزازاتهم داخل باحات الاقصى، بما في ذلك التجول بين صفوف النساء المصليات في محيط قبة الصخرة.
ورغم الاجراءات المشددة وبرودة الطقس، يسطر المقدسيون مشهدا لافتا من الصمود منذ الليلة الاولى لصلاة التراويح، حيث توافدت العائلات باعداد كبيرة لتملا ساحات المسجد، في رسالة تحد واضحة لسد الفراغ الذي تركه المبعدون قسرا ومئات الاف الممنوعين عن مسجدهم ومدينتهم من الضفة الغربية وقطاع غزة.
