يواجه قطاع غزة شهر رمضان في ظل ظروف استثنائية حيث ياتي هذا الشهر بعد اعلان وقف اطلاق النار وفتح المعابر جزئيا، الا ان الواقع الميداني يشير الى ان التحسن في العمل الاغاثي لا يزال محدودا ولا يرتقي الى مستوى الاستجابة المطلوبة.
وتشير الارقام الى واقع صعب، حيث ان نسبة الالتزام الفعلي بدخول شاحنات المساعدات الاغاثية لا تتجاوز 43% من الحد الادنى المطلوب، وذلك في ظل اعتماد نسبة كبيرة من السكان الذين يبلغ عددهم حوالي 2.4 مليون نسمة بشكل شبه كامل على المساعدات الانسانية.
وتؤكد التصريحات الرسمية والميدانية ان العمل الاغاثي شهد تحولا نسبيا في نمط التدخلات الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر الى محاولات توسيع نطاق التوزيعات، الا ان البيئة التشغيلية تبقى شديدة الهشاشة، فالقيود المفروضة على ادخال المساعدات مستمرة، والتحكم في الكميات والاصناف قائم، وانقطاع الكهرباء منذ السابع من اكتوبر يلقي بظلاله على جميع جوانب العمل الاغاثي.
تحديات تواجه العمل الإغاثي في غزة
وكذلك البنية التحتية اللوجستية ما زالت متضررة بشكل واسع نتيجة العدوان الاسرائيلي المستمر رغم اتفاق وقف اطلاق النار، والمؤسسات الانسانية تواجه تحديات معقدة تعيق وصول المساعدات الى المحتاجين، وحسب التقديرات الميدانية، فان الحاجة الفعلية تتطلب تدفقا مستداما لا يقل عن 750 شاحنة يوميا لضمان تلبية الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية لسكان القطاع، حسب ما قاله مسؤولون وعاملون في العمل الاغاثي.
وبعد وقف اطلاق النار وفتح المعابر جزئيا، كان الامل يحدو الكثيرين بان يشهد العمل الاغاثي في غزة نقلة نوعية في حجم المساعدات وانتظامها، لكن الواقع الميداني يكشف عن ان التحسن ظل محدودا ولم يرتق الى مستوى الكارثة القائمة.
وحسب تعبير مدير عام المكتب الاعلامي الحكومي في غزة اسماعيل الثوابتة، فان التغيير الذي طرا على المشهد الاغاثي "محدود وطفيف"، فرغم دخول شهر رمضان المبارك ومرور اشهر على اعلان وقف اطلاق النار، تبقى اثار العدوان الاسرائيلي المدمرة مستمرة والجوع قائما بصورة واسعة.
قيود مستمرة على دخول المساعدات
وفي تصريحات، بين الثوابتة ان الارقام تدعم هذا التقييم، فنبة الالتزام الفعلي بادخال المساعدات لا تتجاوز 43% من الحد الادنى المطلوب، مما يعكس استمرار القيود المفروضة رغم الحديث عن فتح المعابر.
غير ان مدير مكتب العالم العربي للبحوث والتنمية (اوراد) بغزة اشرف الجرجاوي يرصد تحولا نوعيا في طبيعة العمل الاغاثي وان ظل محكوما ببيئة تشغيلية شديدة الهشاشة، اذ ان الاستجابة الانسانية لم تعد مقتصرة على التدخلات الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر، بل بدات تتجه نحو توسيع نطاق التوزيعات وتحسين ادارة سلاسل الامداد وتعزيز اليات الوصول والتنظيم الميداني.
لكن هذا التحول كما يوضح الجرجاوي يصطدم بتحديات متشعبة، ففتح المعابر شكل "انفراجة جزئية" سمحت بحركة محدودة للافراد وبعض الحالات الطبية الحرجة، لكنه لم يحدث التغيير الجوهري المطلوب في تدفق البضائع والمساعدات بالحجم والانتظام الضروريين.
تحديات لوجستية تعيق وصول المساعدات
وذهب الجرجاوي خطوة الى الامام، فالأخطر من ذلك ان اي زيادة محتملة في كميات المساعدات الداخلة تصطدم بتحديات لوجستية داخلية معقدة مثل الانقطاع المستمر للكهرباء وتضرر البنية التحتية من مخازن وسلاسل تبريد وشبكات نقل، مما اضعف القدرة على التخزين والتوزيع بشكل كبير.
وعلى الجانب الاخر تقدم مؤسسة ورئيسة جمعية "الملائكة سويسرا" هويدا ساكري رؤية ميدانية مباشرة للواقع الانساني الذي "ما زال كارثيا بكل المقاييس"، فهناك الاف العائلات تعيش في خيام تفتقر لابسط مقومات الحياة، والاحتياجات لم تتراجع بل تفاقمت مع اتساع الدمار وفقدان مصادر الدخل.
وهنا يظهر التاثير غير المباشر لفتح او اغلاق المعابر حسب طبيعة العمل الذي تقدمه جمعية "الملائكة سويسرا"، فهي لا تدخل المساعدات من الخارج، بل تشتري المواد المتوفرة داخل القطاع وتوزعها مباشرة على المحتاجين، لذلك تصبح الاسواق المحلية صدى واقعيا لمدى توفر السلع وحجم اسعارها بما يؤثر بدوره على قدرة الجمعية على تامين احتياجات المستفيدين.
وعلى الرغم من الحديث عن وقف اطلاق النار وفتح المعابر، فان العمل الانساني في قطاع غزة يواجه منظومة متشابكة من التحديات التي تحول دون تحقيق الاستجابة الانسانية المطلوبة، وفق تصريحات المسؤولين الانسانيين، وهذه التحديات لا تقتصر على القيود الخارجية المفروضة على ادخال المساعدات فحسب، بل تمتد لتشمل معوقات لوجستية و امنية و اقتصادية داخل القطاع نفسه.
والمتحدثون الثلاثة رصدوا واقعا معقدا يجمع بين القيود الاجرائية على المعابر وضعف البنية التحتية المدمرة والتعقيدات الامنية وصولا الى التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه المؤسسات العاملة على الارض وفيما يلي ابرز هذه التحديات:
- القيود والاجراءات المعقدة المفروضة على ادخال البضائع عبر المعابر بما يشمل التحكم في اصناف السلع وكمياتها وطول الاجراءات وعدم وضوح الاطر الزمنية للموافقات الى جانب بطء عمليات التفتيش وعدم انتظام حركة الشاحنات.
- محدودية الوصول الى بعض المناطق خاصة المناطق الواقعة داخل او بمحاذاة ما يعرف بالخط الاصفر وصعوبة التنقل في مناطق اخرى مما يؤثر على سرعة الوصول الى جميع المستفيدين.
- ضعف البنية اللوجستية داخل القطاع بجميع اشكالها من طرق متضررة ومخازن غير مؤهلة ونقص وسائل النقل وسلاسل التبريد مما يعيق عمليات التخزين والنقل والتوزيع.
- النقص الحاد في الوقود وانقطاع الكهرباء المستمر وانعكاساته السلبية على جميع المجالات من التخزين الى التوزيع والخدمات الاساسية.
- التعقيدات الامنية التي تؤثر على حركة الفرق الانسانية والقوافل الاغاثية بما في ذلك استهداف بعض مرافق الاغاثة وسلاسل الامداد من قبل المليشيات المدعومة من الاحتلال.
- ارتفاع الاسعار داخل الاسواق المحلية بشكل كبير وعدم استقرار توفر السلع مما يؤثر على قدرة المؤسسات التي تعتمد على الشراء المحلي في تامين احتياجات المستفيدين.
- محدودية التمويل المتاح للمؤسسات الانسانية مقارنة بالاعداد الكبيرة من المحتاجين في ظل اتساع رقعة الفقر وتفاقم الاحتياجات الانسانية.
تحاول المؤسسات الانسانية تقديم اقصى ما يمكنها في ظل الظروف الصعبة، لكن الفجوة بين الاحتياجات والامكانات تبقى "واسعة وخطيرة".
وحسب تصريحات المتحدثين، فان الانشطة الحالية للمؤسسات الاغاثية في قطاع غزة تشمل المجالات التالية:
- توزيع الوجبات الساخنة والسلال الغذائية: توزيع الطرود الغذائية والسلال الرمضانية والقسائم الشرائية الى جانب تشغيل المطابخ المجتمعية (التكايا) لتامين وجبات يومية للاسر الاشد هشاشة.
- دعم مراكز الايواء: توفير الخيام والاغطية والمستلزمات الاساسية للعائلات التي تعيش في ظروف قاسية.
- الدعم الصحي: دعم القطاع الصحي ضمن الامكانات المتاحة بما يشمل الاحالات والاخلاء الطبي في حدود ضيقة.
- كفالة الايتام والدعم النفسي: برامج خاصة لدعم الاطفال الايتام الى جانب برامج التعليم الطارئ والدعم النفسي والاجتماعي للتخفيف من اثار الصدمة الممتدة.
- توفير المياه ومواد النظافة: ضمان وصول المياه الصالحة للشرب ومواد النظافة الاساسية.
لكن المسؤول الحكومي في القطاع اكد ان هذه الجهود "رغم اهميتها فانها لا تلبي حجم الاحتياج الفعلي"، واشار الى ان "الفجوة بين الاحتياجات والامكانات كبيرة جدا نتيجة التدمير الواسع لمصادر الدخل وارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الفقر وتفاقم انعدام الامن الغذائي".
وهذا ما ذهب اليه ايضا مدير مكتب اوراد في غزة، اذ يرى ان هذه الجهود "رغم اهميتها في الحد من الانهيار الكامل للنظام المجتمعي ومنع تفاقم الكارثة الانسانية فانها تبقى دون مستوى الاحتياجات المتراكمة" في ظل حجم الدمار الواسع واستمرار النزوح وفقدان شريحة كبيرة من السكان لمصادر دخلهم وسبل عيشهم.
اما المؤسسة لجمعية "الملائكة سويسرا" فتؤكد ان "الوضع الانساني كارثي" مبينة ان "عائلات كاملة تعيش في خيام مع نقص واضح في الغذاء والمياه والاحتياجات الاساسية"، وتشير الى ان "ارتفاع الاسعار وقلة فرص العمل يزيدان معاناة السكان" في حين ان "الاطفال يعانون من سوء التغذية واثار نفسية عميقة".
ومما سبق يكشف واقع العمل الانساني في غزة خلال رمضان عن فجوة واسعة بين الاحتياجات والامكانات، ومن ثم يصبح ما يجري حاليا هو "ادارة ازمة بادوات محدودة"، في حين ان الواقع يتطلب استجابة اوسع واكثر استدامة ترتقي الى حجم الكارثة القائمة.
وهذه الاستجابة الحالية "تمنع الاسوأ لكنها لا تعالج جذور الازمة"، لان الحاجة ملحة الى "ارادة دولية حقيقية تضمن وصولا امنا ومنتظما وكافيا للمساعدات وتهيئة بيئة تسمح بالانتقال من ادارة الطوارئ الى مسار تعاف حقيقي ومستدام"، حسب ما قاله المتحدثون.
