أثارت موجة من الجدل في فرنسا استقبال مساجدها لاكثر من مئة إمام جزائري، وذلك لاحياء صلاة التراويح خلال شهر رمضان، ويأتي هذا الاستقبال على الرغم من قرار الحكومة الفرنسية السابق بوقف استقبال الائمة الاجانب منذ عام 2024، وذلك في ظل نقاش سياسي محتدم حول ما يسمى بـ "إسلام فرنسا".
وأعلن عميد جامع باريس الكبير شمس الدين حفيز عن وصول نحو مئة إمام من الجزائر لتأطير صلوات رمضان، وذلك عبر حسابه الرسمي في منصة "إكس"، وأوضح حفيز أن هذا الإيفاد يعتبر "تقليدًا سنويًا يستجيب لحاجة عملية وواقعية، في ظل النقص الذي تشهده فرنسا في عدد الأئمة المؤهلين لإقامة صلاة التراويح"، لافتا إلى أن المؤسسة التي يرأسها تتلقى دعما ماليا سنويا من الجزائر بقيمة مليوني يورو.
وواصل حفيز شرح أسباب استعانة "مسجد باريس" بوعاظ من الجزائر، قائلا: "صلاة التراويح هي صلاة نافلة، أي غير واجبة لكنها مستحبة بشدة، تقام كل مساء طوال شهر رمضان، وهي تتطلب أئمة قادرين على تلاوة مقاطع طويلة من القرآن عن ظهر قلب، ما يستلزم تكوينا خاصا ومعمقا".
مخاوف من ردود فعل سياسية وإعلامية
وأضاف حفيز موضحا أن دور هؤلاء الأئمة "يقتصر على الجانب التعبدي فقط، إذ يؤمون المصلين لا غير، فلا يلقون خطبا أو كلمات، ولا يتدخلون في أي نقاش عام أو سياسي، ومع نهاية شهر رمضان يعودون إلى بلدهم".
ويرى مراقبون أن إشارة حفيز إلى أن الأئمة الجزائريين لن يتطرقوا إلى أي شأن فرنسي، تعكس توقعه لإثارة جدل من قبل وسائل الإعلام والسياسيين الفرنسيين حول هذه القضية، خصوصا أنه واجه حملة كبيرة خلال الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر، حين اتهمه السفير الفرنسي السابق بتحويل مسجد باريس إلى ملحقة للسفارة الجزائرية.
وحسب حفيز، فإن "إرسال هؤلاء الأئمة يندرج في إطار العلاقات التاريخية بين فرنسا والجزائر، كما يلبي طلب المسلمين في فرنسا الذين يرغبون في أداء شعائرهم في أجواء هادئة خلال هذا الشهر الفضيل"، ويفهم من هذا أن إرسال الأئمة تم بناء على تفاهمات بين البلدين، رغم التوتر الذي تشهده العلاقات الثنائية.
انتقادات من اليمين الفرنسي
وتناولت قناة "سي نيوز" الفرنسية القضية، وهي قناة مقربة من أوساط اليمين المعادي للتقارب مع الجزائر، وتساءلت القناة عن كيفية سماح الحكومة الفرنسية بوصول أئمة جزائريين لإمامة الصلوات في رمضان دون أي رقابة سياسية أو إدارية، معتبرة ذلك تدخلا أجنبيا في الشأن الديني الفرنسي.
وفي كل عام، يثير وصول أئمة أجانب لإمامة صلاة التراويح خلال شهر رمضان انتقادات واسعة في بعض الأوساط السياسية، حيث تطرح تساؤلات حول "السيادة الدينية" والتبعية للخارج، على الرغم من أن هذه المهام مؤقتة وذات طابع تعبدي بحت.
وكان وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري يوسف بلمهدي قد اجتمع في وقت سابق مع الأئمة الذين تم اختيارهم لإمامة المصلين في صلاة التراويح في المهجر، وذلك في إطار التحضيرات لاستقبال شهر رمضان.
توجيهات للأئمة الموفدين للخارج
واكد البيان أن "ايفاد هؤلاء الائمة جاء استجابة لطلبات واقتراحات تقدمت بها جمعيات ومراكز اسلامية، عبر سفارات الجزائر والممثليات الدبلوماسية الجزائرية بالخارج، من ايطاليا وبريطانيا والمانيا والسويد وهولندا والمجر واسبانيا اضافة الى كندا، بما يعكس حرص الجالية الوطنية على الارتباط بمرجعيتهم الدينية الوطنية خلال الشهر الفضيل".
وابرز البيان ان بلمهدي "اسدى توجيهات (للائمة) اكد فيها ان هذه المهمة ذات بعد ديني وحضاري تضافرت فيها الجهود لضمان نجاحها في احسن الظروف لجاليتنا بالمهجر وعموم المسلمين خلال الشهر الفضيل".
وفي عام 2020، أعلنت الحكومة الفرنسية عن إنهاء تدريجي لنظام الأئمة "المبتعثين" الذين يتم إرسالهم وتولي رواتبهم من قبل دول مثل الجزائر والمغرب وتركيا، وقد احتدم النقاش في فرنسا حول "ضرورة مكافحة التأثيرات الأجنبية" مقابل المخاوف من حدوث عجز في عدد الأئمة المكونين داخل فرنسا.
ووفق مراقبين، تعد موافقة باريس على قدوم أئمة من الجزائر بوصفها استثناء، رغم بدء تطبيق قرار حظر الأئمة الأجانب، مؤشرا قويا على رغبة البلدين في التهدئة وتغليب نهج البراغماتية، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر الأسبوع الماضي، حيث بحث مع نظيره الجزائري مشكلات الهجرة غير النظامية واستئناف الحوار الأمني بين البلدين.
