عند لحظة الافطار، لا يكون السؤال الحقيقي ماذا ناكل، بل كيف نبدا، فالجسم الخارج لتوه من ساعات طويلة من الصيام يحتاج الى ايقاع هادئ يعيد تشغيل الجهاز الهضمي خطوة خطوة، لا الى صدمة غذائية مفاجئة.

في هذا السياق، تفرض السوائل نفسها خيارا اوليا عند كسر الصيام، لما توفره من ترطيب وتنشيط لطيف للمعدة والامعاء، لكن يبقى الجدل قائما: هل يؤدي طبق الحساء الساخن الدور نفسه الذي يؤديه كوب من العصير؟ وهل يختلف تاثير كل منهما على الجسم بعد يوم كامل من الامتناع عن الطعام والشراب؟ في السطور التالية، نقترب من الاجابة من منظور فسيولوجي وصحي.

لماذا يفضل البدء بالتدريج عند الافطار؟

قد تبدو الوجبة الثقيلة مكافاة مغرية بعد ساعات الصيام الطويلة، الا ان خبراء التغذية يحذرون من القفز مباشرة الى الاطعمة الدسمة، فحالة الجوع المتراكم تدفع كثيرا من الصائمين الى الافراط في الاكل او تناوله بسرعة، وهو ما يرهق الجهاز الهضمي فجاة، وقد ينعكس في شكل اضطرابات شائعة مثل الام المعدة والانتفاخ والغازات والغثيان.

اثناء الصيام، يمر الجسم بسلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تطال الجهاز الهضمي وعملية الايض، فمع انخفاض مستويات السكر في الدم ونفاد مخازن الجلوكوز في الكبد، يبدا الجسم بالاعتماد على الدهون مصدرا اساسيا للطاقة، ما يعني ان التمثيل الغذائي ينتقل الى نمط مختلف، لذلك يحتاج الجسم الى بعض الوقت ليعيد ضبط عملياته الايضية ويعود الى وضعه الطبيعي بعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام.

في المقابل، يتراجع خلال الصيام نشاط افراز انزيمات الهضم، نتيجة غياب المحفزات الغذائية التي تنشط المعدة والامعاء، وهذا ما يجعل الجهاز الهضمي اقل جاهزية للتعامل مع وجبة ثقيلة مباشرة عند الافطار.

توصيات خبراء الصحة

ويؤكد خبراء الصحة ان كثيرا من الاضطرابات الهضمية التي تصيب الصائمين عند كسر الصيام تعود الى البدء بوجبات دسمة، في وقت لم يكن فيه الجهاز الهضمي قد استعاد بعد افراز الانزيمات والعصارات اللازمة لهضم الطعام بكفاءة.

اظهرت الابحاث ان توازن الانزيمات واستجابات الغدد الصماء في الامعاء، التي تؤدي دورا محوريا في تنظيم هضم الطعام وامتصاصه، يطرا عليه تغير خلال فترة الصيام، ورغم ان هذا التوازن يبدا في التعافي جزئيا مع اول وجبة، فان ذلك يؤكد ان الجهاز الهضمي يحتاج الى وقت ليستعيد نشاطه الكامل.

ومن هنا، لا يكمن الحل في الامتناع عن الطعام، بل في اتباع اسلوب صحي لكسر الصيام، يقوم على خطوات بسيطة تهيئ المعدة تدريجيا، وتمنح الجسم فرصة للتكيف بسلاسة مع العودة الى الهضم.

فوائد السوائل الساخنة للجهاز الهضمي

تظهر السوائل الساخنة قدرة واضحة على تهدئة الجهاز الهضمي، حتى وان اقتصر الامر على كوب من الماء الدافئ، اذ تساعد الحرارة على تنشيط المعدة والامعاء وتحفيز حركتهما، ما يسهم في تسهيل عملية الهضم.

ويرى بعض الخبراء ان تاثير السوائل الساخنة قد يكون اعمق من السوائل الباردة، لانها تساعد على تفكيك بقايا الطعام العالقة في القناة الهضمية، والتي قد يجد الجسم صعوبة في التعامل معها بعد فترة من الخمول.

وفي السياق ذاته، تشير ابحاث علمية الى ان السوائل الدافئة تدعم حركة الامعاء الطبيعية، من خلال تخفيف التشنجات المعوية، وهو ما ينعكس مباشرة على الشعور بالراحة الهضمية، كما خلصت دراسة اجريت عام 2016 الى ان الماء الدافئ قد يلعب دورا ايجابيا في تحفيز حركة الامعاء والمساعدة على طرد الغازات، خاصة خلال الفترات التي يكون فيها الجهاز الهضمي بحاجة الى دفعة لطيفة للعودة الى نشاطه المعتاد، هذا يفسر لماذا يعد الحساء الساخن خيارا مثاليا لكسر الصيام؛ فهي لا توفر فقط السوائل والمغذيات، بل تساعد المعدة والامعاء على استعادة نشاطهما تدريجيا، مما يقلل من الشعور بالانتفاخ او الحرقة بعد الافطار.

ايهما افضل: الحساء ام العصير؟

لحسم هذا السؤال، يجب اولا النظر الى المحتوى الغذائي والصحي لكل خيار، الحساء عادة ما يكون غني بالالياف والبروتين والماء، وهي مكونات تساعد على تهدئة الجهاز الهضمي وتسهل حركة الامعاء قبل تناول وجبة ثقيلة، يوضح موقع جامعة هارفارد ان الالياف هي نوع من الكربوهيدرات التي تمر عبر الجسم دون ان تهضم، على عكس باقي الكربوهيدرات التي تتحول الى جلوكوز سريع الامتصاص.

تلعب الالياف دورا مهما في تنظيم حركة الامعاء وتقليل اضطرابات الهضم، كما تساعد على ابطاء امتصاص السكر، مما يزيد الشعور بالشبع لفترة اطول ويقلل التقلبات الحادة في الطاقة.

وعلى الرغم من ان العديد من انواع الحساء منخفضة السعرات الحرارية، لانها تتكون في الغالب من الماء، الا انها غالبا ما تكون مشبعة جدا، وجدت دراسة نشرت عام 2012 في المجلة الاوروبية للتغذية السريرية ان الاشخاص الذين تناولوا حساء كريميا شعروا بالشبع لفترة اطول من اولئك الذين تناولوا وجبة صلبة.

في المقابل، تكون العصائر، ولا سيما تلك المحضرة بالعصر، منخفضة في محتواها من الالياف في الغالب، اذ تؤدي عملية العصر الى ازالة معظم الالياف الموجودة في الفواكه والخضراوات، ولا يبقى سوى السائل، وتشير مصادر علمية الى ان فقدان الالياف في العصائر يحرم الجسم من عنصر اساسي يساعد على تحسين الهضم وتنظيم مستويات السكر في الدم، ما يجعل الامتصاص السريع للسكريات هو الغالب عند كسر الصيام.

وعند الافطار بالعصير، يرتفع مستوى السكر في الدم بسرعة نتيجة غياب الالياف التي تبطئ امتصاصه، وهو ما قد يفسر شعور بعض الصائمين بهبوط الطاقة بعد وقت قصير، في المقابل، يوفر كسر الصيام بالحساء مزيجا متوازنا من السوائل والالياف والبروتينات الخفيفة، ما يساعد على تهيئة المعدة والامعاء تدريجيا لاستقبال الطعام، ويضمن عملية هضم اكثر استقرارا وسلاسة.

نصائح لتحضير الحساء المثالي بعد الصيام

لتحضير حساء مناسب بعد يوم طويل من الصيام، ينصح باتباع الخطوات التالية:

استخدم المرق اساسا للحساء: يمكن الاعتماد على مرق الدجاج او اللحم، او مرق العظام الذي استعاد حضوره في السنوات الاخيرة لقيمته الغذائية، ويحضر مرق العظام بغلي العظام على نار هادئة لفترة طويلة، ما ينتج مرقا غنيا بالعناصر المعدنية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، اضافة الى الكولاجين، ويمكن استخدامه اساسا لمختلف انواع الحساء او تناوله بمفرده.

اضف الخضراوات: تعد الخضراوات عنصرا اساسيا في حساء مغذ ومتوازن، ويستحسن التنويع في الوانها لزيادة القيمة الغذائية، مع اختيار الانواع المتوافرة او المفضلة حسب الرغبة.

ادمج مصدرا خفيفا للبروتين: بعد الخضراوات، يمكن اضافة الدجاج او اللحم حسب التفضيل، واذا توفر دجاج مطهو مسبقا، يكفي تقطيعه واضافته مباشرة الى الحساء للحصول على وجبة خفيفة وسهلة الهضم.