انتشر خلال الساعات الماضية مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي يظهر رئيس هيئة الاركان المشتركة اللواء الركن يوسف احمد الحنيطي برفقة رئيس اركان جيش الاحتلال السابق هرتسي هليفي، حيث جرى تداوله على نطاق واسع مرفقا بمعلومات مضللة تستهدف الاردن ومواقفه.
وفي توضيح رسمي، اكدت قناة المملكة ان الفيديو المتداول قديم، وتم اعادة نشره خارج سياقه الحقيقي، ما ادى الى تفسيره بشكل خاطئ بين المستخدمين.
واوضحت القناة ان اللقاء جاء ضمن اطر رسمية محددة وفي سياق تنسيق تنظمه معاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية، مشيرة الى ان مضمون المقطع لا يعكس ما يتم الترويج له عبر مواقع التواصل.
وبحسب التوضيح، فان المشهد المتداول يوثق لحظة تسليم "حربة" لجندي اردني من ابطال حرب 67، في خطوة حملت اعترافا رسميا ببسالته وشجاعته، بعكس الروايات التي جرى تداولها مؤخرا.
وياتي اعادة نشر الفيديو في وقت حساس تشهده المنطقة، حيث حاول بعض المستخدمين استغلاله للاساءة الى الاردن ومواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، رغم ان الوقائع تؤكد خلاف ذلك.
وفي هذا السياق كتب النائب عطاالله الحنيطي:
يوسف باشا الحنيطي ليس اسما عابرا في المؤسسة العسكرية الأردنية، ولا رجلا جاء من فراغ، بل هو ابن سيرة طويلة من التعب والانضباط والوفاء، ابن أبوعلندا، وابن بيت عسكري كما كل الأردنيين عرف فلسطين لا من باب الرواية فقط، بل من باب الدم والميدان والرباط، وقبل الكرامة، وقبل أن تصبح البطولة عنوانا مكتملا في الذاكرة الوطنية، كان هناك انتظار الجبهة، وكان هناك قلق البيوت الأردنية وهي تترقب أخبار الرجال في الميدان، وصولا إلى عام 1967، حين كانت الجبهة حاضرة في كل بيت، وحين كان الخوف على الجنود جزءا من حياة الناس، ومعنى يوميا من معاني الوطنية والصبر.
ولا أنسى، وأنا طفل أيضا في أبوعلندا، ذلك المشهد الراسخ في وجداني، وأنا أنظر إلى الأمهات الوالدة ، وهنًّ ينتظرنَّ أخبار الجبهة ذلك ان الانتظار بحد ذاته بطولة صامتة، وكان البيت الأردني شريكا كاملا في الشرف والتضحية والرباط، وهذا مشهد لا ينسى، لأنه ليس تفصيلا عابرا، بل صورة من صور الوجدان الأردني العميق، ومن يشكك اليوم لا يعي التاريخ، ولا يفهم كيف كتبت حكاية الأردن، جيشا وشعبا وقيادة.
هو ابن ذلك الجيل الذي فتح عينيه اما على أب أو شقيق عسكري مناوب في فلسطين، يتنقل بين قراها وميادينها، ويعيش معنى الجندية لا بوصفها وظيفة، بل بوصفها قدرا وشرفا واحتمال شهادة، ومنذ طفولته كان يدرك أن والده ليس رجلا عاديا، بل جندي في جيش عربي، مشروعه الدفاع والتضحية، ومصيره إن اقتضى الواجب أن يكون شهيدا من أجل فلسطين، ثم جاءت الكرامة لتؤكد أن ذلك الانتظار لم يكن عبثا، بل كان طريقا إلى المجد، خصوصا وأن والده وأقران والده أبطال الكرامة الذين صنعوا المجد والتاريخ والنصر المؤزر وحملوا شرف المواجهة، فأستحقوا التكريم من آل هاشم والجيش العربي ونالوا أوسمة العز والفخار مرات ومرات.
لقد درس يوسف باشا في أبوعلندا، لكنه تخرج فعليا في مدرسة الجيش العربي، في قواعده وثكناته وميادينه، من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، عرف الميدان قبل المنصب، والانضباط قبل الأضواء، وشرف البزة قبل كل شيء، وهو ابن الفوتيك العسكري، ابن الخشونة والجاهزية والانضباط، رجل لم يعرف والده إلا بلباس الجيش، ولم يعرف طفولته إلا على إيقاع الواجب، ولم يتربَّ على الترف، بل على بساطة العسكريين وصلابتهم وكبريائهم.
وحين وضعت القيادة الهاشمية ثقتها فيه، لم تضعها في رجل طارئ، بل في ابن مؤسسة، وابن تاريخ، ورجل خبر الجيش من داخله، وعرف الدولة من زاوية الواجب لا الادعاء، وفي أحلك الظروف، وفي إقليم مشتعل من حدوده إلى عمقه، كان يوسف باشا في موقع المسؤولية، من معارك الحدود، إلى حرب الدولة على المخدرات والميليشيات المشبوهة، إلى تداعيات الثورة السورية، إلى سنوات كورونا الثقيلة، إلى ما شهدته الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان، وصولا إلى التوترات الإقليمية الكبرى، فظل عنوانا للثبات، ومحطة لثقة القيادة الهاشمية والأردنيين.
إن الذين ظنوا أنهم حين يسيئون إلى يوسف باشا الحنيطي فإنهم يطعنون رجلا فقط، لم يدركوا أنهم من حيث أرادوا التشويه أكدوا المؤكد، أكدوا مركزية الجيش العربي في وجدان الأردنيين، وأكدوا أن هذه المؤسسة أكبر من الحملات، وأرسخ من الافتراءات، وأعمق من كل محاولات النيل منها، فحين يكون المستهدف هو قائد الجيش، فإن المقصود في جوهر الأمر هو هيبة المؤسسة، ورمزيتها، ومكانتها في الوعي الوطني، لكن هذه المؤسسة لا تنال منها ضوضاء عابرة، لأنها مكتوبة في تاريخ الدولة، ومحفورة في ذاكرة الأمة، ومرسومة بدم الشهداء.
قواتنا المسلحة الأردنية لا تحتاج إلى شهادة من أحد، لأنها هي من كتبت شهادتها بدمها في فلسطين، من القدس إلى اللطرون إلى باب الواد إلى جبل المكبر، إذ حافظت قواتنا المسلحة على القدس الشريف ومنعت قطعان الصهاينة من تدنيسها وكذلك
على كل ثرى شهد أن الأردني كان هناك، يقاتل ويثبت ويستشهد، فهذا الجيش لم يكن يوما جيش شعارات، بل جيش فعل، وجيش تضحية، وجيش حضور حقيقي في ميادين الشرف، وهو ذاته الجيش الذي لم يكتف بحمل السلاح حين استلزم القتال، بل حمل أيضا المعنى الإنساني والأخلاقي تجاه الأهل في فلسطين، فضمد الجراح، وتقاسم اللقمة، وحمل الرسالة في الحرب والسلم معاً.
وعودة الخنجر هنا لا تعني مجرد استرداد مقتنى من زمن مضى، بل تعني عودة شاهد مادي حي على أن الأردن كان هناك، وأن الجيش العربي ترك أثره في الأرض والتاريخ والوجدان، وهي عودة تختصر كرامة وطن، وذاكرة جيش، وسردية دولة لم تكن يوما على هامش فلسطين، بل كانت في قلب تضحياتها ومعاركها وميادين شرفها، كما أن هذه العودة تأتي ضمن سياقات الدولة ومصالحها العليا، وضمن ترتيبات تفرضها معادلة الحضور الأردني المتصل تجاه الضفة الغربية وغزة، وتجاه الواجب السياسي والإنساني والطبي، في تقديم العون والمساعدة، وتضميد جراح الأشقاء، واستقبال الفلسطينيين إلى الأردن منطلقا للعلاج والدراسة والحج والعمرة وغيرها، وهذا هو الأردن، وهذا هو جيشه، لا يزاود ولا يتاجر، بل يعمل بما تمليه مصلحة الأردن وفلسطين والأمة العربية والإسلامية.
والأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي، لم يتخل يوما عن فلسطين، ولم يتبدل موقفه تبعا للعواصف أو الضغوط، وحتى في الأزمنة التي صمت فيها كثيرون، بقي صوت الأردن عاليا وواضحا، فلسطين قضيتنا، والقدس خط أحمر، والوصاية الهاشمية عهد لا ينكسر، ومن هنا فإن الدفاع عن يوسف باشا الحنيطي ليس دفاعا عن شخص فحسب، بل عن سيرة وطن، وعن صورة جيش، وعن معنى قيادة، وعن مؤسسة كانت وستبقى صمام الأمان للدولة الأردنية، لذلك ستبقى كل حملات التشويه أقل من أن تنال من رجل هذا تاريخه، ومن مؤسسة هذا مجدها، ومن وطن هذا عمقه وهيبته.
