في قلب السوق الشعبي غربي مدينة خان يونس، تتجول أم محمد صقر بين البسطات لساعات دون جدوى، عاجزة عن توفير احتياجات أسرتها الأساسية، ويجسد هذا المشهد المأساة التي يعيشها أغلبية سكان قطاع غزة المحاصر، والذين يواجهون ظروفا معيشية قاسية نتيجة للحرب والقيود المفروضة على القطاع.

ومع استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر وتراجع تدفق المساعدات، تتفاقم معاناة الغزيين الذين يواجهون تحديا يوميا في كيفية الاستمرار في الحياة في ظل هذا الخناق، ويثير الوضع الإنساني المتدهور مخاوف جدية بشأن مستقبل القطاع وسكانه.

وتشير التقارير إلى أن الأزمة تتفاقم بسبب عوامل عدة، بما في ذلك النقص الحاد في السيولة النقدية وارتفاع الأسعار بشكل كبير، مما يجعل الحصول على الضروريات الأساسية أمرا صعبا للغاية بالنسبة للعديد من العائلات.

أزمة سيولة وارتفاع أسعار

وقالت أم محمد للجزيرة نت إن الأسعار مرتفعة جدا، وحتى العملة الورقية المهترئة يرفضها التجار، مشيرة إلى أزمة السيولة التي تمنع سلطات الاحتلال إدخالها إلى البنوك في غزة منذ بدء العدوان، واضافت بغضب "من اين نجيب مصاري؟".

واضافت ان هذا السؤال يتردد يوميا على السنة الغزيين الذين يواجهون ازمة خانقة في توفير النقد اللازم لتلبية ابسط احتياجاتهم اليومية، وبينت ان هذا الوضع يزيد من معاناتهم ويجعل الحياة اكثر صعوبة.

ومنذ اندلاع الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران، استغلت سلطات الاحتلال انشغال العالم بتداعياتها لتشديد الحصار على القطاع، فأغلقت المعابر وفرضت قيودا صارمة على إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، مما أدى إلى ارتفاع هائل في أسعار السلع واختفاء أصناف كثيرة منها.

تراجع المساعدات واستنزاف المدخرات

وفي جهة اخرى من السوق، تشكو اسماء ابو فيصل، وهي ام لاسرة كبيرة، من ارتفاع الاسعار وتراجع المساعدات، وقالت للجزيرة نت "مش عارفين كيف نعيش"، واضافت ان الحرب استنزفت مدخرات عائلتها.

وأشارت إلى أنها لم تتلق أي مساعدة إنسانية منذ بداية الحرب، وتكافح مع أسرتها يوميا لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ظروف معيشية وصفتها بـ "البائسة"، وبينت ان الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم.

وانتقد باسل ابو حمدة بشدة ما اعتبره "سوء ادارة المساعدات الشحيحة التي تدخل القطاع وغياب العدالة في توزيعها"، ووصف الواقع المعيشي بانه "سيئ للغاية"، واوضح ان معظم ارباب الاسر فقدوا مصادر دخلهم جراء الحرب.

تقليص المشتريات والاكتفاء بالضروريات

اما محمد عابدين، صاحب بسطة في السوق، فأوضح ان المتسوقين باتوا يشترون الخضار بالحبة بدل الكيلوغرام منذ الهجوم الامريكي الاسرائيلي على ايران، الذي استغله الاحتلال بتشديد خناقه على غزة، وتسبب في تراجع دخول المساعدات وارتفاع اسعار الاسواق.

وقال عابدين للجزيرة نت إن اعداد المتسوقين تراجعت بشكل كبير، حيث باتت الاوراق النقدية المهترئة وشح الفكة المعدنية وغلاء الاسعار ازمات اضافية تعيق حركة البيع والشراء، الامر الذي فرض على السكان تقليص مشترياتهم الى الحد الادنى والاكتفاء بما يسد الرمق.

ومن ناحيته، افاد المدير العام لغرفة تجارة وصناعة غزة ماهر الطباع للجزيرة نت بان سكان القطاع يعيشون حاليا اوضاعا انسانية كارثية وغير مسبوقة، حيث تتفاقم معاناتهم بفعل الحصار المستمر والانهيار الحاد في مختلف مقومات الحياة الاساسية.

مساعدات لا تذكر واوضاع كارثية

واضاف الطباع أن ما تسمح سلطات الاحتلال بإدخاله من مساعدات إنسانية وبضائع تجارية "لا يذكر" مقارنة بالاحتياجات الهائلة للسكان، واكد ان الوضع يتطلب تدخلا عاجلا لتوفير الاحتياجات الضرورية.

وقال رئيس شبكة المنظمات الاهلية امجد الشوا للجزيرة نت إن "شبح المجاعة يلوح في الافق"، حيث ان 90% من الغزيين الذين يعتمدون في معيشتهم على المساعدات الانسانية الشحيحة يكافحون من اجل البقاء، في ظل غلاء فاحش في اسعار السلع والخضار القليلة المعروضة بالاسواق.

ومنذ توقيع اتفاق وقف اطلاق النار، لا يلتزم الاحتلال بالبروتوكول الانساني وواصل على نحو ممنهج خرقه، خاصة فيما يتعلق بالمساعدات الانسانية من حيث الكمية والنوعية، بحسب الشوا، واشار الى ان هذا الامر يزيد من معاناة السكان.

فرصة لتشديد الخناق

ومع اندلاع الحرب على ايران، وجدت اسرائيل فيها فرصة لتشديد الخناق، واوضح الشوا ان نسبة التزامها حاليا تتراوح ما بين 20% الى 40% مما تم التوافق عليه، حيث تسمح يوميا بادخال نحو 200 شاحنة من اصل 600 نص عليها اتفاق وقف اطلاق النار.

واضاف ان الاحتلال عمد فور اندلاع الحرب على طهران الى اغلاق معبر رفح البري امام الحالات الانسانية من المرضى والجرحى، قبل ان يعيد فتحه جزئيا وباجراءات مشددة ومعقدة، ويحصر حاليا ادخال شاحنات المساعدات والبضائع بشكل جزئي من خلال معبر كرم ابو سالم دون باقي المعابر الاخرى المغلقة، وبين ان هذا الاجراء يعرقل وصول المساعدات.