حسن البراري
أود هنا أن أتقاطع مع التحليل الذكي الذي قدمه فريد زكريا مؤخرًا عندما تناول ما أسماه حدود القوة الأمريكية في عالم ما بعد الهيمنة والتي يقول فيه إن القوة العسكرية لا يمكن أن تترجم بشكل تلقائي إلى نتائج سياسية، فالولايات المتحدة من دون أدنى شك تمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا لكنها قوة تدميرية أكثر منها قوة قادرة على إنتاج نظام سياسي مستقر بعد التدمير.
سأبني على فكرة فريد زكريا وأذهب أبعد من ذلك لأقول إن أمريكا تواجه مأزقًا استراتيجيًا واضحًا في إيران. لماذا أقول ذلك؟ لأن هناك فجوة عميقة واضحة بين القدرة على التدمير والقدرة على تحقيق هدف سياسي مستدام. فلدى أمريكا حرية كاملة في ضرب إيران من أي مكان وبأي طريقة، غير أن هذا لغاية هذه اللحظة لا يركع إيران سياسيًا.
المأزق الأمريكي له أربعة مستويات واضحة هي:
أولًا، تحديد الهدف النهائي القابل للتحقق، ففكرة إسقاط النظام الآن أصبحت من الماضي. بمعنى أن تغيير النظام سيكون مكلفًا وغير مضمون، كما أن قدرة أمريكا على تغيير سلوك النظام في إيران محدودة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها إيران وفقدان الحرب للشرعية الدولية. كل ذلك يجري مع تآكل تدريجي للردع الأمريكي، وهذه أول مظاهر المأزق الاستراتيجي عندما تحضر الأدوات العسكرية في غياب هدف سياسي قابل للتحقق.
ثانيًا، ثنائية الردع والاستدامة. وقد كتبت عن ذلك سابقًا لكن للتذكير لا تحتاج إيران لنصر عسكري إذ يكفيها أن تصمد. وبالفعل يرى المخططون الاستراتيجيون في إيران أن الأفضل لها أن تعتمد على حرب استنزاف وتوظيف أذرعها والاستمرار في إطلاق الصواريخ. طبعًا، لهذه الاستراتيجية كلفة باهظة جدًا لكن بالمقابل الطرف الآخر يحتاج لحسم عسكري سريع، وهذا غير ممكن عمليًا ما يعني أن الزمن يتحول إلى سلاح بيد إيران لا بيد خصومها.
ثالثًا، الجغرافيا واتساع رقعة الحرب أفقيًا. الجغرافيا هي ميزة بيد إيران، فبسبب العمق الاستراتيجي والمساحة الكبيرة والتضاريس المتنوعة والمعقدة يمكن لإيران إدارة المعركة بشكل فعال بالنظر لإمكاناتها العسكرية المحدودة مقارنة بخصومها، فهي تمتلك القدرة على تهديد الخليج وإغلاق مضيق هرمز دون الحاجة لامتلاك أي تفوق عسكري من أي نوع. علاوة على ذلك، تمكنت إيران من زج أذرعها في أتون المعركة موسعة بذلك الجبهات وهذا يحول الحرب إلى مسارح متداخلة يصعب السيطرة عليها جميعًا دون مضاعفة أمريكا عدد قواتها ما يثير زوبعة سياسية في الولايات المتحدة نفسها.
رابعًا وأخيرًا، قدرة إيران على توزيع الألم وعولمته بحيث أصبح الاقتصاد العالمي يئن نتيجة لإرباك سوق الطاقة وإغلاق مضيق هرمز. هنا يلحق الضرر ليس فقط بالدول المتحاربة، ولكن حتى بحلفاء أمريكا الأوروبيين في وقت تمنح فيه روسيا نافذة لمراكمة الثروة وبالتالي القوة.
خلاصته، هناك فجوة واضحة بين الإمكانات العسكرية الهائلة لأمريكا وقدرتها على تحقيق هدفها السياسي وبالتالي احتمال هزيمتها سياسيًا. فتدمير الأهداف لغاية الآن لم يفضِ إلا إلى تماسك النظام بدلًا من تدميره ومع الزمن تكتسب إيران شرعية دولية للمقاومة وتكتسب أيضا مشروعية استهداف المنشآت التي ما كانت تحلم بضربها في السابق. وعليه فإن المأزق الاستراتيجي هو أن الحرب على إيران تتحول إلى حرب بلا نهاية واضحة لا يمكن حسمها بسهولة ولا يمكن تحمل استمرارها طويلًا ولا يمكن الخروج منها دون كلفة سياسية.
لا أقطع بهزيمة أمريكا ولا أقول بأن هذا هو السيناريو الوحيد لكن اشرت فقط إلى مأزق الدول الكبرى في مثل هذه الحالات، والأمر يتوقف على أمرين: قدرة النظام على الصمود أكثر والتغير في المزاج السياسي بأمريكا.
