يحل شهر رمضان على دولة الإمارات العربية المتحدة حاملا معه نفحات روحانية تبعث أجواء من السكينة والبهجة في جميع أنحاء الإمارات السبع من أبوظبي إلى رأس الخيمة، ففي هذا الشهر الفضيل يمتزج عبق الماضي بأصالة الحاضر في صورة بديعة تجسد الهوية الإماراتية العريقة.
ويعتبر شهر رمضان فرصة للتآلف والتواصل حيث يجتمع الأهل والأصدقاء لتبادل التهاني والتبريكات بهذه المناسبة المباركة.
كما يمثل شهر الصيام والقيام فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية في المجتمع الإماراتي.
حق الليلة واستقبال رمضان
وقبل قدوم شهر رمضان بأيام قليلة وبالتحديد في منتصف شهر شعبان تبدأ مظاهر الفرح والاحتفال بما يسمى "حق الليلة" وهي عادة إماراتية أصيلة توارثتها الأجيال.
ويخرج الأطفال في أبهى حلة مرتدين الأزياء التقليدية الزاهية يجوبون الأحياء حاملين أكياسا مزينة بالتطريز الشعبي لجمع الحلوى والمكسرات من الجيران الذين يستقبلونهم بفرح.
ويردد الأطفال الأهازيج والأغاني التراثية تعبيرا عن فرحتهم بقرب حلول الشهر الفضيل، وتغرس هذه العادة في الأطفال حب العطاء والتواصل الاجتماعي وانتظار شهر رمضان بفارغ الصبر.
موائد الإفطار والتجمعات العائلية
ومع أول أيام رمضان تتحول المنازل الإماراتية إلى واحات من الألفة والمحبة حيث تجتمع العائلة الكبيرة في منزل الجد أو كبير العائلة لتناول وجبة الإفطار الأولى تأكيدا على أهمية الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع الإماراتي.
وهذا العام يتزامن شهر رمضان مع "عام المجتمع" في دولة الإمارات مما يضفي أهمية خاصة على هذا البعد الاجتماعي حيث تصبح التجمعات العائلية اليومية تجسيدا حيا لصلة الرحم والتكاتف بين الأجيال.
واضاف افراد العائلة يتناوبون على استضافة بعضهم البعض طوال الشهر وتحرص النساء على إعداد أشهى الأطباق التقليدية التي تميز المائدة الرمضانية مثل الهريس والثريد واللقيمات التي تزين المائدة وتجمع الأحبة حولها.
مدفع رمضان وخيام الرحمن
وما أن يحين موعد غروب الشمس حتى يترقب الجميع المشهد الأكثر إثارة للصغار والكبار على حد سواء وهو مدفع الإفطار أو ما يعرف بـ "مدفع رمضان".
وبين انه على الرغم من التطور التكنولوجي الكبير تحافظ دولة الإمارات على هذه العادة التاريخية التي تعود إلى القرن التاسع عشر والتي اشتهرت في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.
ويصدح صوت المدفع في مناطق مختلفة من الدولة معلنا حلول موعد الإفطار ليضفي بهجة خاصة على الأجواء الرمضانية ويجمع العائلات على مائدة واحدة مع أولى لحظات الغروب.
وشهر رمضان في الإمارات هو شهر العطاء بامتياز حيث تتجلى روح التكافل الاجتماعي في أروع صورها وتنتشر "خيام الرحمن" في جميع أنحاء الدولة والتي تقيمها المؤسسات الخيرية مثل الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية.
وتقدم هذه الخيام وجبات إفطار مجانية للصائمين من مختلف الجنسيات في مشهد يعكس قيم التسامح والمساواة التي يتميز بها المجتمع الإماراتي.
ولا يقتصر العطاء على المؤسسات فقط بل يمتد ليشمل الأفراد والعائلات حيث تعمد الأسر إلى إعداد كميات كبيرة من الطعام لمشاركتها مع الجيران والمحتاجين خاصة طبق الهريس الذي غالبا ما يتم إعداده بكميات كبيرة وتوزيعه على الآخرين.
كما تشهد المساجد والمراكز التجارية توزيعا يوميا لوجبات الإفطار والتمر والماء في مشهد يعكس روح العطاء التي تميز هذا الشهر الفضيل.
وبعد أداء صلاة العشاء والتراويح التي تكتظ بها المساجد بالمصلين تنتعش ليالي رمضان في الإمارات بالمجالس الرمضانية حيث يجتمع الرجال بعد الإفطار لتبادل الأحاديث الودية بينما تجتمع النساء في مجلس آخر للحديث والسمر.
وتعد المجالس مكانا اجتماعيا يعزز العلاقات بين الأهل والجيران وتستمر حتى ساعات متأخرة من الليل ومع اقتراب العشر الأواخر من رمضان يزداد الإقبال على المساجد والاعتكاف التماسا لليلة القدر.
وتحرص دولة الإمارات على أن يعيش الجميع مسلمين وغير مسلمين أجواء رمضان الروحانية ومع ذلك هناك بعض الإرشادات التي تعبر عن احترام مشاعر الصائمين منها تجنب تناول الطعام أو الشراب أو التدخين في الأماكن العامة خلال ساعات الصيام احتراما للصائمين وكذلك الحرص على ارتداء ملابس محتشمة تغطي الأكتاف والركبتين في الأماكن العامة تقديرا لقدسية الشهر.
ويبقى شهر رمضان في الإمارات أكثر من مجرد شهر للصيام بل هو احتفال سنوي بالقيم الإنسانية النبيلة وتجسيد للتراث العريق وتعزيز للروابط الأسرية وتأصيل لقيم العطاء والتسامح.
