بدأت الجزائر في تطبيق إجراءات جديدة تتعلق بنزع الجنسية عن المعارضين المتهمين بالخيانة، وذلك بعد تصريحات للرئيس الجزائري حول "التعاون ضد خائن الدار"، حيث انطلقت تحركات في البرلمان لإدخال تعديل على قانون الجنسية الصادر عام 1970، التعديل يتضمن إسقاط الجنسية عن معارضين تتهمهم السلطات بـ«العمالة لصالح جهات معادية» وبـ«المس بوحدة واستقرار البلاد».

ودخل تشريع «إسقاط الجنسية» حيز التنفيذ في الجزائر، بعد صدور النص الجديد في «الجريدة الرسمية»، وذلك عقب تصديق البرلمان عليه في 22 يناير الماضي.

وانصب الجدل حول القانون على «المادة 22»، التي تنص على أنه «يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية عن كل شخص اكتسبها» في حالتين: الأولى إذا أُدين الشخص المعني «بفعل يصنف جناية أو جنحة تمس بالمصالح الأساسية للجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة»، والحالة الثانية إذا أُدين في الجزائر أو في الخارج بجناية يعاقب عليها بعقوبة تساوي أو تفوق 5 سنوات سجناً.

شروط إسقاط الجنسية

ويوضح القانون أن إسقاط الجنسية «لا يطبق إلا إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى المعني قد وقعت خلال مدة 10 سنوات ابتداءً من تاريخ اكتسابه الجنسية الجزائرية، ولا يمكن النطق به إلا خلال أجل 5 سنوات ابتداءً من تاريخ تلك الأفعال».

وتتضمن مادة أخرى أن كل جزائري «توجد ضده مؤشرات خطيرة ومتطابقة تثبت أنه ارتكب خارج التراب الوطني أفعالاً خطيرة ولم يضع حداً لها رغم الإنذار الذي وُجه إليه من قبل الحكومة الجزائرية»، يمكن أن يتعرض لإسقاط الجنسية.

ويعدد القانون 6 حالات: إذا قام بشكل واضح وصريح بأعمال من شأنها «المساس الجسيم بمصالح الجزائر أو بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة واستقرار مؤسساتها أو بوحدة الشعب أو برموز ثورة التحرير الوطنية»، أو «مارس علناً أنشطة معادية للجزائر»، وإذا أظهر «بقصد الإضرار بمصالح الجزائر ولاءه لدولة أخرى أو أعلنه رسمياً أو أثبت بشكل لا لبس فيه عزمه على التنصل من أي ولاء للجزائر»، وأيضاً إذا قدم «خدمات لدولة أخرى أو قبل منها أموالاً أو مزايا بهدف الإضرار بمصالح الجزائر»، وإذا تصرف لصالح «قوات عسكرية أو أمنية أجنبية أو قدم لها مساعدة من شأنها الإضرار بمصالح الجزائر»، وإذا تعاون مع «دولة أو جهة معادية للجزائر»، وإذا «تولى قيادة مجموعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية أياً كان شكلها أو تسميتها أو مارس فيها نشاطاً أو انضم إليها أو مولها أو روج لها بأي وسيلة كانت بما يمس بمصالح الجزائر».

حالات فقدان الجنسية الاصلية

وينص القانون على أنه في حال ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في هذه المادة داخل الجزائر، يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية الأصلية «إذا كان مرتكبها في حالة فرار خارج التراب الوطني»، وفي حالات «الخيانة أو التخابر مع قوة أجنبية أو حمل السلاح ضد الجزائر أو المساس بالوحدة الوطنية والسلامة الترابية للجزائر أو الانتماء بأي صفة كانت إلى كيانات أو منظمات إرهابية، وكذلك كل فعل يمس بأمن الدولة واستقرارها وفقاً للتشريع المعمول به»، يمكن إسقاط الجنسية عن كل مواطن جزائري ارتكب هذه الأفعال، حتى وإن لم يكن يحمل جنسية أخرى.

ووفقاً «للمادة 23» من هذا القانون، لا يمكن إسقاط الجنسية الجزائرية «إلا بعد إخطار الشخص المعني ومنحه إمكانية تقديم ملاحظاته الكتابية بكل الوسائل القانونية بما فيها وسائل الاتصال الإلكترونية خلال أجل 30 يوماً ابتداءً من انقضاء مهلة الإنذار المنصوص عليها في المادة 22 مكرر إذا بقي دون جدوى»، ويمنح الشخص المعني بالإنذار مهلة للامتثال لا تقل عن 15 يوماً ولا تتجاوز 60 يوماً».

وتباينت ردود الفعل حول القانون، حيث دعمت الأحزاب الموالية القرار كخطوة استباقية لتحصين «الأمن القومي» ضد «حروب الجيل الرابع» والمنصات الخارجية.

مخاوف المعارضة

وفي المقابل، عبرت أحزاب المعارضة عن توجس شديد، محذرة من «مطاطية» المصطلحات القانونية التي قد تؤول سياسياً لاستهداف المعارضين وتجريدهم من حقوق المواطنة، ومن جهته، دق المجتمع المدني ومنظمات حقوقية ناقوس الخطر، واصفاً الترسانة التشريعية بـ«الزجرية»، مع التحذير من تبعاتها التي قد تؤدي إلى حالات «انعدام الجنسية» لبعض الجزائريين.

وتعود خطوة إسقاط الجنسية عمن لا تتفق معهم السلطة إلى البرلماني هشام صفر عن «الغالبية الرئاسية»، الذي أطلق مقترح تعديل قانون الجنسية في أكتوبر الماضي، مستلهماً دعوته من التصريحات المثيرة للرئيس عبد المجيد تبون، التي حث فيها الجزائريين على «التعاون ضد خائن الدار»، وكان يقصد الكاتب بوعلام صنصال الفرنسي- الجزائري، الذي أدانته المحاكم بالسجن لسبع سنوات بتهمة «المس بالوحدة الوطنية»، وتم الإفراج عنه في شهر نوفمبر الماضي بعفو رئاسي خاص بعد أن قضى عاماً في السجن.

كما ربط مراقبون طرح هذا التعديل الذي جاء في توقيت حرج بخطوة أخرى أثارت قلقاً بالغاً لدى صناع القرار في الجزائر، وتتعلق بإعلان «حركة تقرير مصير القبائل» (ماك) من باريس عما وصفته بـ«دولة القبائل المستقلة»، وهذه الخطوة التي قادها زعيم التنظيم فرحات مهني المقيم بفرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً رفقة مئات من ناشطيه حولت ملف «إسقاط الجنسية» من مجرد مقترح تشريعي إلى سلاح سياسي وقانوني مباشر لمواجهة دعوات الانفصال والتحركات التي تدار من وراء البحار».

واللافت أن هذه الإجراءات الصارمة متصلة بشكل قوي بالتوترات التي تميز علاقات الجزائر بجيرانها خصوصاً المغرب ومالي وبشركاء أساسيين خاصة فرنسا.

غير أن الصرامة التي ميزت إجراءات إسقاط الجنسية رافقتها في المقابل «إشارات تهدئة» أعلنت عنها الرئاسة مطلع العام، حيث أطلقت مبادرة لتسوية أوضاع مئات المعارضين والنشطاء في الخارج لا سيما في أوروبا، وتشمل هذه المبادرة التي تشرف عليها القنصليات إسقاط تهم «المساس بالوحدة الوطنية» وإلغاء أحكام قضائية سابقة مقابل تعهدات كتابية بوقف النشاط المعارض.

ويبدو أن هذه الخطوة تهدف إلى عزل «الرؤوس الراديكالية» وتجريدها من حاضنتها من خلال فتح باب «العودة الطوعية» وإعادة إدماج الشباب الذين انخرطوا في المعارضة نتيجة ظروف معينة».