تشهد ليبيا تصاعدا ملحوظا في الدعوات إلى الإضرابات والاحتجاجات الفئوية، وذلك بين الموظفين في مختلف القطاعات الحكومية، حيث يعتبرونها الملاذ الأخير للتعبير عن الضغوط المعيشية الخانقة التي يواجهونها، بل وصل الأمر إلى تداول سيناريوهات لإضراب عام محتمل، وذلك احتجاجا على السياسات الاقتصادية المتبعة في شرق البلاد وغربها.
وخلال الأيام القليلة الماضية، أطلق المعلمون دعوة صريحة للإضراب عبر نقابتهم، التي بدورها أعلنت أن هذا التحرك سيشمل جميع المؤسسات التعليمية، وذلك احتجاجا على التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية للمعلمين، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.
ويشير قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، إلى أن الدعوة للإضراب تأتي في ظل أوضاع معيشية خانقة، إضافة إلى عدم تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بزيادات في مرتبات المعلمين.
تحركات متزايدة في قطاعات مختلفة
وفي السياق ذاته، أعلن موظفون في وزارة العدل والهيئات القضائية، عبر بيان صادر عن نقابتهم، الدخول في اعتصام وإضراب عام منذ يوم الأحد، مع تعليق العمل في مختلف أنحاء البلاد، وذلك للضغط على السلطة التنفيذية لتنفيذ قانون أصدره مجلس النواب العام الماضي لزيادة مرتباتهم.
ومن جهته، يقول الطاهر كشير، رئيس اللجنة التسييرية للنقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف في ليبيا، إن الدعوة للإضرابات تبدو منطقية في قطاعهم وقطاعات حكومية أخرى، في ضوء سوء الأوضاع المعيشية وعدم استجابة الحكومة لمطالبهم المتكررة، متحدثا عن استجابة للإضراب في محاكم بمدن في شرق البلاد وغربها.
كما يلوح شبح الإضرابات في قطاع الكهرباء، وهو مرفق حيوي، حيث يدور حراك بين موظفي الشركة للمطالبة بصرف مرتبات متوقفة ومستحقات وعلاوات متراكمة.
تهديدات بالإضراب العام وشلل المرافق الحيوية
وسبق أن قال موظفون، في تسجيل مصور، إن إيقاف صرف المرتبات منذ بداية العام الحالي قد يدفعهم إلى وقف العمل بالشركة، في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.
وفي خضم هذه التطورات، يتجه الاتحاد الوطني لعمال ليبيا إلى اتخاذ خطوة تصعيدية خلال اجتماعه المقرر السبت المقبل في طرابلس، ولم يستبعد رئيسه، محمد رويحة، إعلان إضراب عام يشمل مختلف المؤسسات، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، كما يعتزم الاتحاد تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف ليبيا المركزي للمطالبة بوقف الإنفاق الموازي خارج الميزانية من جانب الحكومتين في شرق وغرب البلاد.
وقال رئيس الاتحاد الوطني لعمال ليبيا المكلف، إن الدعوة إلى الإضرابات لها ما يبررها في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مشيرا إلى تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة ارتفاع سعر الدولار وفساد الاعتمادات المستندية واستمرار الإنفاق الموازي غير المنضبط في شرق البلاد وغربها.
تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة
يأتي ذلك بينما تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار مقابل الدينار وموجات غلاء واسعة وتآكل القدرة الشرائية ونقص السيولة واضطراب الخدمات، وتثقل هذه الأزمات كاهل المواطنين وسط تعثر الإصلاحات واستمرار الانقسام السياسي.
ولم يستبعد مدير منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، خالد بوزعكوك، اتساع نطاق هذه الإضرابات والدعوات لها، التي قد تصل، وفق مؤشرات رصدها، إلى إعلان عصيان مدني، رفضا لقرارات مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي، التي ستفاقم زيادة الأسعار وتكلفة أعباء المعيشة على كاهل المواطن.
وخلال العامين الأخيرين، لم تشهد ليبيا إضرابات فئوية واسعة النطاق بالزخم الذي طبع المشهد في خريف 2023، حين مثل اعتصام وإضراب أعضاء هيئة التدريس في 22 جامعة حكومية آخر موجة احتجاج مهني كبيرة ومنظمة، تمحورت مطالبها حول تحسين الأوضاع المعيشية وزيادة المرتبات وتسوية الحقوق الوظيفية.
مخاوف من تأثير الإضرابات على الاقتصاد
ومنذ ذلك الحين، ظل الحراك العمالي محدودا وموسميا دون تحولات تصعيدية شاملة، حتى استجدت التحركات الأخيرة للمعلمين والموظفين في الجهات العدلية.
ومع هذا الزخم من المطالبات، تظهر مخاوف من هذه الإضرابات الفئوية، التي تركز على ملف المرتبات، وقد عد رويحة أن الأزمة الاقتصادية تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المطالب القطاعية.
من جانبه، حذر المحلل السياسي، خالد الشارف، من أن وجود حكومتين في دولة واحدة يفتح الباب أمام نمط خطير في إدارة الأزمات، قائم على الاستجابة الانتقائية للمطالب الاجتماعية، وأوضح أن كل طرف قد يلجا إلى منح زيادات وامتيازات سريعة لقطاعات محددة، ثم توظيفها سياسيا لإظهار نفسه بعده الأقرب للمواطنين.
تحذيرات من تفاقم الأزمة وتعميق الانقسام
وأشار الشارف إلى أن هذا السلوك يعكس منافسة على شراء الشرعية، محذرا من آثار مؤسسية عميقة، من بينها تعميق الانقسام وخلق توقعات مرتفعة لبقية القطاعات، إضافة إلى سباق إنفاق غير مستدام، منتهيا إلى أن الزيادات غير المرتبطة بإصلاحات هيكلية ترفع كتلة الأجور وتضغط على العملة وتفاقم العجز وتوسع الاقتصاد الموازي.
وتعيش ليبيا على وقع انقسام حكومي بين حكومة في غرب البلاد يترأسها عبد الحميد الدبيبة وأخرى تسيطر على شرق وجنوب البلاد برئاسة أسامة حماد وتحظى بدعم البرلمان والجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.
