يتميز اليوم الرمضاني في الجزائر بطابع خاص ومختلف عن باقي أيام السنة، فقبل حلول الشهر الفضيل، يلاحظ الزائر مظاهر الاستعداد لاستقبال هذا الضيف الكريم في كل مكان، ومع بداية الصيام، تشهد الأسواق والأحياء الشعبية حركة غير عادية، وتتغير الوتيرة اليومية المعتادة.

ورغم التنوع الثقافي الذي يميز مناطق الجزائر المختلفة، يتحد الجزائريون في رمضان حول عادات وتقاليد مشتركة تعكس هوية هذا الشهر الكريم، فتتعدد التفاصيل وتختلف من مدينة إلى أخرى، إلا أن الجوهر يبقى واحدا وهو مائدة عائلية عامرة، وتكافل اجتماعي قوي، وأجواء روحانية مميزة.

ويهدف هذا التقرير إلى استعراض أبرز العادات والتقاليد التي يتمسك بها المجتمع الجزائري خلال شهر رمضان، بدءا من الطقوس اليومية وصولا إلى المظاهر الاجتماعية التي تشكل الهوية الرمضانية التي يحرص الجزائريون على توريثها للأجيال القادمة.

إيقاع الحياة اليومية في رمضان

تبدأ الأحياء الجزائرية يومها في شهر الصيام بهدوء ملحوظ في الصباح، حيث تستيقظ تدريجيا ويستعد السكان لاستقبال نهار الصيام، ومع اقتراب وقت الظهر، يزداد النشاط بشكل ملحوظ، حيث تخرج النساء للتسوق وشراء مستلزمات الإفطار، وتمتلئ الأسواق الشعبية بالزبائن الذين يتنقلون بين الأكشاك.

وتمتزج روائح الأطعمة الشهية المعروضة في الأسواق مع روائح الأطباق التقليدية التي تفوح من المنازل، لتشكل ما يعرف في المجتمع الجزائري بـ "ريحة رمضان"، وهي مزيج من المظاهر والعادات التي تذكر الجزائريين بأجواء هذا الشهر الفضيل، وعن هذه الرائحة المميزة، قال محمد، وهو رجل سبعيني من سكان العاصمة، إنها لم تتغير، فالعائلات لا تزال تجتمع وتفرح بقدوم الشهر، والأجواء المنزلية تعيد نفس إحساس الماضي.

واضاف محمد أن ازدحام الناس في الأسواق واهتمامهم بشراء احتياجات رمضان دليل على أن "الريحة" لا تزال قوية ولم تندثر، وأن عادات الشهر ما زالت حية وتتوارثها الأجيال، ومن جهتها، ترى هاجر، وهي سيدة في الخمسينيات من عمرها، أن رمضان اليوم فقد الكثير من بركته وبساطته التي كانت تميز الماضي وجيلها القديم.

ذكريات رمضان زمان

وبينت هاجر أن التحضيرات كانت تبدأ منذ شهر شعبان، حيث كان يتم تجهيز المنزل بالكامل، وتطلى المطابخ بأيد جماعية، في أجواء حيوية مليئة بالبهجة والتكاتف، أما اليوم، فتصف الوضع بأنه مختلف وباهت، حيث غابت تلك الروح العائلية الحقيقية التي كانت تصنع "ريحة رمضان" في الماضي.

وتشهد الشوارع والأحياء الشعبية حركة متزايدة مع اقتراب موعد الإفطار، ومعها يرتفع الإقبال على محلات بيع الحلويات التقليدية، وعلى رأسها "قلب اللوز والزلابية بأنواعها المختلفة"، قبل أن يتوقف كل شيء مع حلول موعد الإفطار، ومع أذان المغرب، تتوقف الحركة في الشوارع تدريجيا، وتنتقل الحياة إلى المنازل، حيث تجتمع العائلات حول مائدة الإفطار العامرة بالأطباق التقليدية التي ارتبط ذكرها بشهر رمضان.

وتحرص المرأة الجزائرية على إعداد هذه الأطباق المتنوعة، رغم كثرتها وتنوعها وساعات تحضيرها الطويلة، لتجهيز مائدة إفطار رمضانية يغلب عليها الموروث الجزائري، وتجمع الصائمين حولها بعد ساعات من الصيام.

مائدة الإفطار الرمضانية

وتشمل قائمة الأطباق الرمضانية الشهيرة "شوربة فريك" أو "الحريرة"، التي تكون حاضرة طيلة أيام الشهر، ويرافقها "البوراك" أو "البريك العنابي"، إلى جانب طبق "طاجين الحلو"، وهو طبق يتكون من مجموعة من الفواكه المجففة ذات المذاق الحلو، وأطباق السلطة المتنوعة والخبز التقليدي المصنوع في المنزل، وللتغلب على الرتابة اليومية في المائدة، تبدع النساء الجزائريات في إعداد تشكيلة متنوعة من "المقبلات" و"المملحات"، وإعداد طبق رئيسي ثان يتغير يوميا بعدد أيام الشهر، وقد يكون من الأكلات التقليدية مثل "المثوم" أو "طاجين الزيتون بالدجاج"، وقد يكون طبقا عصريا.

وقالت السيدة مونية، وهي أم لطفلين، إنها تحرص كل عام على إعداد المائدة الرمضانية بكل تفاصيلها، مثلما تعلمتها من والدتها وجداتها، واكدت مونية أنها ورغم تعب إعداد هذه الأطباق المتنوعة، إلا أن فرحة جلوس عائلتها على مائدة الإفطار ينسيها ساعات الوقوف في المطبخ لتجهيزها، وتكون هذه القائمة من الأطباق الرمضانية حاضرة أيضا بكل تفاصيلها في "موائد الرحمن" أو "عابري السبيل" المنتشرة في الأحياء والطرقات.

ويساهم الشباب والجمعيات في تقديم وجبات الإفطار للمحتاجين وعابري السبيل، لتبقى روح رمضان حاضرة في كل زاوية من المجتمع، وبعد أداء صلاة التراويح، تظهر المدن الجزائرية بوجه رمضاني مختلف، ففي الأيام الأولى من الشهر، تظل الساحات العامة أقل ازدحاما، إذ لم يعتد السكان بعد على الصيام، بينما يقتصر النشاط على بعض التجمعات العائلية والمقاهي.

السهرات الرمضانية والتكافل الاجتماعي

ومع مرور الأيام، يزداد النشاط تدريجيا، وتمتلئ الساحات العامة بالعائلات والشباب الذين يواصلون الليل في أجواء رمضانية حيوية، ففي المقاهي، تتعالى أصوات أحجار "الدومينو"، ويصاحب السهر احتساء الشاي الجزائري على الطاولة، ويزيد الإقبال على محلات بيع الحلويات التقليدية على غرار "قلب اللوز"، رفيق السهرات الرمضانية، بينما تمتد الجلسات إلى وقت متأخر من الليل.

وقال رشيد، وهو أحد رواد المقاهي لممارسة لعبة الدومينو، إن لرمضان في الجزائر طعما خاصا جدا، إذ لا توجد سهرة رمضانية حقيقية بدون "دومينو"، فهي ليست مجرد لعبة، بل الأساس الذي يخلق الجو المميز للشهر الفضيل، واشار رشيد إلى أن ما يجعل هذه السهرات لا تنسى هو اللمة مع الأصدقاء، فالضحك واللعب ينسي تعب اليوم، وهذه اللقاءات هي الروح الحقيقية لليالي الرمضانية.

ومن أبرز الصور التي ترتبط بشهر رمضان في الجزائر، يبرز التضامن، من خلال مجموعة من المبادرات التي تشارك فيها العائلات والجمعيات والمساجد والمحلات التجارية، وتسعى الجمعيات والعائلات إلى تجهيز "قفة رمضان" لفائدة الأسر المحتاجة، وتحتوي على المواد الأساسية مثل الزيت والسميد والسكر والطماطم المعلبة والبقوليات والتمر.

مظاهر التضامن في رمضان

وفي السنوات الأخيرة، تحولت "قفة رمضان" إلى منحة مالية تصرف مباشرة في الحسابات البريدية لهذه العائلات، لتتيح لهم حرية اختيار ما يحتاجون إليه، وفي القرى، تبرز عادة "الوزيعة"، حيث يجمع الميسورون والمغتربون الأموال لشراء الأبقار أو الأغنام، ثم توزع اللحوم بشكل متساو على جميع العائلات، مع الحرص على شمول الجميع بغض النظر عن الوضع الاجتماعي، ما يعكس قيم المساواة والتضامن.

وتشارك المحلات التجارية الكبرى في العمل الخيري من خلال وضع سلال للتبرع، حيث يضيف الزبائن مواد غذائية مع مشترياتهم، لتجمع لاحقا من قبل الجمعيات وتوزع على المحتاجين، وتلعب المساجد والجمعيات الخيرية دورا محوريا في تنظيم عملية التوزيع، مع الاعتماد على المتطوعين طيلة أيام رمضان لضمان وصول الدعم إلى العائلات المستحقة.