تدرس الجزائر حاليا صيغة معدلة من قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، وذلك بعد التحفظات التي أبداها مجلس الأمة على بعض مواد القانون الذي تمت المصادقة عليه في نهاية عام 2025.

وتهدف هذه الخطوة إلى فتح قنوات جديدة للحوار مع فرنسا، خاصة بعد فترة من التوتر الدبلوماسي بين البلدين شهدت انفراجة ملحوظة في الأسابيع الأخيرة.

وكان المجلس الشعبي الوطني قد وافق على القانون بأغلبية الأصوات في ديسمبر 2025، إلا أن مجلس الأمة رفض لاحقا المواد المتعلقة باعتذار فرنسا عن جرائم الاستعمار ودفع التعويضات.

لجنة مشتركة لحل الخلاف

ونتيجة لهذا الخلاف، تم تشكيل لجنة مشتركة من أعضاء الغرفتين للتوصل إلى حل يرضي الطرفين، وهي آلية دستورية يتم اللجوء إليها في مثل هذه الحالات.

ومن المتوقع أن يتم التصديق على تقرير اللجنة المشتركة في التاسع من مارس القادم، على أن يتضمن التقرير الصياغة التوافقية التي سيتم رفعها إلى جلسة تصويت مشتركة.

وبعد التصديق عليها، سيتم إحالة النسخة النهائية من القانون إلى رئيس الجمهورية للتوقيع عليها ليصبح قانونا نافذا، وقد عقدت اللجنة أول اجتماع لها في 19 فبراير الحالي بعد المصادقة على نظامها الداخلي.

الارتقاء بالقانون إلى مصاف المرجعية

واكد رئيس مجلس الأمة، عزوز ناصري، أن تفعيل اللجنة جاء بطلب من الوزير الأول بهدف اقتراح صيغة توافقية للقانون، وشدد على ضرورة الارتقاء به إلى مصاف نص تشريعي مرجعي محكم البنية وقائم على أسس قانونية صارمة.

ودعا ناصري إلى إعداد قانون مرجعي نموذجي يتجاوز الإطار الوطني ليشكل سابقة تشريعية رائدة على المستوى الأفريقي، ويكرس مقاربة قانونية واضحة في معالجة جرائم الاستعمار.

وبين مصدر من اللجنة أن عملها يتركز حاليا على تعديل وتوحيد نص القانون عبر إعادة صياغة المواد المتنازع عليها لتحقيق توافق دستوري وسياسي قبل اعتماده رسميا.

تحفظات مجلس الامة

ورجح المصدر تثبيت تحفظات مجلس الأمة على القانون، معتبرا أنها تستجيب لإرادة السلطات العليا في البلاد، علما أن مجلس الأمة لا يملك صلاحية تعديل النصوص المصادق عليها.

لهذا السبب، تم تشكيل اللجنة المشتركة لاقتراح نص توافقي يضمن الانسجام مع المواقف الرسمية الثابتة للدولة.

ويتضمن القانون الأصلي وصفا تفصيليا للجرائم التي ارتكبت خلال فترة الاستعمار، مثل القتل العمد والمجازر والإعدامات خارج القانون واستخدام الأسلحة المحرمة والتجارب النووية والنهب المنهجي للثروات والتعذيب الجسدي والنفسي والتمييز العنصري والاغتصاب والإخفاء القسري والتهجير والنفي.

جرائم لا تسقط بالتقادم

ويحمل القانون الدولة الفرنسية المسؤولية الكاملة عن ماضيها الاستعماري، ويلزم الدولة الجزائرية بالسعي إلى الحصول على اعتراف واعتذار رسميين والمطالبة بتعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية.

ويجرم القانون كل أشكال تمجيد أو تبرير الاستعمار الفرنسي، ويفرض عقوبات على من ينكر طبيعته الإجرامية أو يشيد بالمتعاونين معه أو يمس برموز المقاومة والثورة.

واكد مقرر لجنة الدفاع الوطني، فيصل بوسدراية، أن تحفظات مجلس الأمة تركزت على بنود التعويضات والاعتذارات، معتبرا إياها لا تتماشى والتوجه الوطني الذي حدده الرئيس عبد المجيد تبون.

لا للتخلي عن الذاكرة

ويأتي هذا التباين البرلماني ليكرس المقاربة التي أعلنها الرئيس تبون أواخر عام 2024، حين شدد على أنه لن يتخلى عن الذاكرة، وأن الجزائر تطالب باعتراف صريح بالجرائم المرتكبة.

وعلى الجانب الآخر، أثارت هذه الخطوة التشريعية ردود فعل غاضبة في باريس، حيث وصفت وزارة الخارجية الفرنسية القانون بأنه مبادرة عدائية تقوض إرادة استئناف الحوار بين البلدين.

ويرى مراقبون أن توجه الجزائر نحو مراجعة القانون يهدف إلى تخفيف التوتر مع فرنسا وتوفير أرضية ملائمة لترميم العلاقات بين البلدين، وذلك من خلال التخلي عن شرطي الاعتذار والتعويضات والتركيز على الاعتراف التاريخي بجرائم الاستعمار.