تواجه قرية النبي صموئيل شمال غرب القدس واقعا مريرا يتجاوز مصادرة الاراضي ليصل الى طمس الهوية الفلسطينية، حيث يسعى الاحتلال لتحويل القرية الى جيب معزول يضم نحو اربعمائة نسمة يعيشون تحت الحصار.
وتستهدف السلطات الاسرائيلية مصادرة مئة وعشرة دونمات من اراضي القرية وبيت اكسا المجاورة، بما يشمل محيط المسجد التاريخي، وذلك في اطار مخططات تهدف الى تغيير المشهد الجغرافي والديموغرافي بذريعة التطوير والحفاظ على التراث.
واظهرت الممارسات الاخيرة ان الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الارض، بل عمد الى مصادرة الطابق السفلي من المسجد وتحويله الى كنيس يهودي، بينما يتوسع المستوطنون في محيطه لفرض واقع استيطاني جديد.
ادوات الاقصاء والسيطرة
وبينت محافظة القدس ان قرار المصادرة الاخير يندرج ضمن سياسة ممنهجة للاستيلاء على المواقع الاثرية، كأداة لاقصاء الرواية الفلسطينية الاسلامية من الفضاء العام واستبدالها برواية تخدم الاهداف الاستيطانية في المدينة المحتلة.
واكدت وزارة الاوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ان هذا المشروع يهدف الى خنق المسجد وعزله تماما عن محيطه الفلسطيني، معتبرة ذلك انتهاكا صارخا لكافة المواثيق الدولية التي تحمي دور العبادة من طمس هويتها.
وكشفت متابعات المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية ان اقرار سلطة التراث في الضفة الغربية يعد خطوة متقدمة ضمن مشروع الضم الزاحف، الذي يسعى لفرض السيادة الاسرائيلية على المواقع التاريخية بقوة السلاح.
حديقة اسرائيلية
وقال المحامي رمزي بركات ان الاحتلال منح الاهالي مهلة قصيرة للاعتراض امام المحاكم الاسرائيلية، مشيرا الى ان القرار الحالي هو جزء من برنامج استراتيجي طويل الامد يهدف لتحويل المنطقة الى مرفق سياحي تهويدي.
واضاف ان الاحتلال صنف القرية كحديقة قومية عام 1995، موضحا ان مساحة القرية تقلصت بشكل كبير بفعل الجدار والاستيطان، بعد ان كانت تتجاوز اربعة الاف دونم قبل التهجير القسري الذي تعرض له السكان عام 1971.
وبين بركات ان الحفريات الاسرائيلية لم تقدم اي دليل تاريخي يدعم روايتهم، بل كشفت عن اثار اسلامية وصليبية تؤكد اصالة القرية وعراقتها التي يحاول الاحتلال محوها من الذاكرة الفلسطينية عبر التزييف المتواصل.
معذبون في قريتهم
وتكشف الحياة اليومية في النبي صموئيل عن قسوة الاجراءات، حيث يعيش اربعمائة فلسطيني تحت قيود صارمة، بعد تحويل القرية الى منطقة تماس تستوجب الحصول على بطاقات ممغنطة خاصة للدخول والخروج عبر الحاجز العسكري.
واوضح المواطن عيد بركات ان الحاجز اصبح يتحكم في ادق تفاصيل حياتهم، حيث يُمنع من لا يحمل التصريح من العبور، مما يهدد الاهالي بالحرمان من العودة الى منازلهم في حال خروجهم لقضاء حوائجهم.
واكد ان الجنود يمارسون سياسة العقاب الجماعي، حيث يتم وضع اسماء بعض السكان على قوائم المنع الامني، مما يجعلهم سجناء داخل قريتهم خوفا من فقدان حقهم في السكن والعيش فوق ارضهم.
اسوار وحصار
وعمقت التضييقات عزلة القرية عن محيطها الاجتماعي، حيث اصبح استقبال الزوار امرا شبه مستحيل، مما يقطع الروابط العائلية ويحول حياة السكان الى سلسلة من المعاناة اليومية المرتبطة بموافقات امنية مزاجية ومعقدة.
واضاف بركات ان الاحتلال يمنع حتى ادخال الاحتياجات الاساسية كالاثاث والاجهزة الكهربائية، كما يعاني المزارعون من منعهم من حماية محاصيلهم، واصفا القرية بانها سجن كبير تحيط به اسوار خضراء تمنع اي شكل من اشكال التطوير.
واكد ان السكان يواجهون حالة من القلق الدائم، حيث تفتقر حياتهم لاي استقرار في ظل سياسات الاحتلال التي تهدف لدفعهم نحو الرحيل القسري وافراغ القرية من اهلها الاصليين لصالح المشاريع الاستيطانية.
مسار تهويدي
ويرى المحلل سهيل خليلية ان ما تشهده القرية يتجاوز مجرد مصادرة ارض، فهو جزء من مشروع سياسي واسع يهدف لاعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقدس والضفة الغربية لربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض.
واوضح ان الاهمية الاستراتيجية للقرية تكمن في كونها عقدة ربط بين القدس ورام الله، مما يجعل السيطرة عليها ركيزة اساسية في مشروع القدس الكبرى الذي يسعى لضم المستوطنات الكبرى الى السيادة الاسرائيلية.
واكد ان الاحتلال يوظف قوانين التراث كغطاء لفرض سيطرته المدنية، بعد ان نقل صلاحيات واسعة الى مؤسسات يمينية متطرفة تسرع تنفيذ المخططات التي كانت مجمدة لسنوات طويلة لفرض امر واقع على الارض.
فرض السيادة
واشار خليلية الى ان التحولات الاخيرة في الادارة المدنية تعكس رغبة الاحتلال في الانتقال من مرحلة الاحتلال العسكري الى مرحلة فرض السيادة الكاملة، مستغلا صعود اليمين لتسريع وتيرة الاستيطان في المواقع الحساسة.
واوضح ان استهداف النبي صموئيل ياتي بالتوازي مع ما يجري في سبسطية والحرم الابراهيمي، كاختبار لسياسات مستقبلية قد تطال المسجد الاقصى، ضمن خطة متكاملة لاعادة رسم حدود القدس المحتلة.
وختم مؤكدا ان هذه الاجراءات تهدف الى دمج المستوطنات فعليا بالقانون الاسرائيلي، مما يتطلب موقفا فلسطينيا ودوليا حازما لوقف هذا المسار التهويدي الذي يهدد الوجود الفلسطيني في كافة الاراضي المحتلة.
