اكد عضو مجلس الاعيان غازي الذنيبات ان قانون التنفيذ الاردني يعد “قانون وطن” مر عبر جميع المراحل الدستورية في المملكة، حيث تم اقراره في مجلس النواب والتصديق عليه من جلالة الملك، مشيرا الى ان النقاش حوله لا يتعلق بالدفاع عن نص قانوني بحد ذاته بقدر ما يتعلق بسياسة دولة جاءت لمعالجة ازمة مالية واجتماعية قائمة.
واوضح الذنيبات ان ملف حبس المدين لم يعد مطبقا في كثير من دول العالم، معتبرا انه اصبح جزءا من الماضي، وان الاتجاه العالمي يسير نحو بدائل قانونية اكثر عدالة وانسانية في التعامل مع الديون والتعثر المالي.
وقال الذنيبات لاذاعة عين، ان المقارنة بين الاردن ودول مثل قطر والكويت في هذا الملف ليست دقيقة، نظرا لاختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين هذه الدول.
واشار الى ان بعض الدول تمتلك صناديق ومؤسسات مالية قادرة على دعم المتعثرين وسداد التزاماتهم المالية، وهو ما لا يتوفر بنفس المستوى في دول اخرى، الامر الذي يجعل تطبيق نفس السياسات غير واقعي من وجهة نظره.
توقعات سابقة باضطراب اقتصادي وملف 450 الف مهدد بالحبس
واوضح الذنيبات انه مع بدء تطبيق التعديلات على قانون التنفيذ، كانت هناك توقعات بحدوث تاثيرات اقتصادية سلبية، من بينها امتناع بعض الاشخاص عن السداد وظهور حالات تهرب من الالتزامات المالية.
لكنه اشار في المقابل الى ان القرار جاء استجابة لواقع ضاغط، حيث كان هناك نحو 450 الف مواطن مهددين بالحبس على خلفية قضايا دين، وهو رقم اعتبره كبيرا ويعكس حجم الازمة التي كانت قائمة قبل التعديل.
واكد الذنيبات ان قرار وقف حبس المدين لم يكن دفاعا عن اي حالات احتيال او تهرب من السداد، موضحا ان استمرار العمل به كان سيؤدي الى نتائج غير قابلة للتطبيق عمليا.
وقال في هذا السياق ان تنفيذ الحبس كان سيعني سجن مئات الالاف من الاشخاص، او على الاقل تنفيذ دفعات كبيرة من التوقيف في وقت واحد، وهو امر وصفه بغير الممكن اداريا واجتماعيا.
بدائل تشريعية وسياسة التفريد في التعامل مع المدينين
وشدد الذنيبات على ان العودة الى حبس المدين تمثل “تراجعا تشريعيا”، معربا عن رفضه للمطالبات باعادة العمل به، ومؤكدا ضرورة البحث عن بدائل قانونية اكثر تطورا.
ودعا الى اعتماد ما وصفه بسياسة التفريد في التعامل مع قضايا الدين، عبر التمييز بين المدين المتعثر والمعسر والمدين المتهرب، وعدم التعامل مع جميع الحالات بنفس الادوات القانونية.
كما اشار الى اهمية مواجهة محاولات تهريب الاموال او تسجيل الممتلكات باسماء افراد من العائلة لتجنب التنفيذ.
وطالب الذنيبات بانشاء نظام استعلام مالي وطني يساعد الدائنين على معرفة الوضع المالي للمدين قبل منح القروض او التسهيلات، بما يعزز الشفافية في التعاملات المالية.
واكد ان وجود قاعدة بيانات ائتمانية سيساعد في تقليل المخاطر على التجار واصحاب الاعمال، ويحد من حالات التعثر غير المدروس.
كما اشار الى ضرورة معالجة بعض الممارسات في سوق الاقتراض، مثل الفوائد المرتفعة والارباح المبالغ فيها، والتي قد تدفع بعض الاشخاص الى الدخول في التزامات مالية غير محسوبة.
وخلال البرنامج، عبّر عدد من المواطنين عن رفضهم لاعادة العمل بحبس المدين، مؤكدين ضرورة حماية حقوق الدائنين ضمن اطار يراعي الظروف الانسانية والصحية للمتعثرين.
وطالب المشاركون بضرورة تنظيم العلاقة بين المقترضين وجهات التمويل، بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستقرار السوق المالي.
منتدى الاستراتيجيات: حبس المدين ملف حساس ونتائج اقتصادية واضحة
من جهتها، قالت المديرة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الاردني نسرين بركات ان ملف حبس المدين يعد من اكثر الملفات حساسية في الاردن، لانه يمس مختلف شرائح المجتمع دون استثناء.
واوضحت ان المنتدى اصدر ورقة موقف قبل دخول تعديلات قانون التنفيذ حيز التطبيق في حزيران 2025، كما عقد مؤتمرا مشتركا مع نقابات ومؤسسات اقتصادية لقياس اثر هذه التعديلات على السوق.
واشارت الى ان استطلاع رأي شمل اكثر من 1750 مشاركا من قطاعات صناعية وتجارية ومالية، اظهر ان شريحة من السوق ترى ان التعديلات مالت لصالح المدين، وخلقت تحديات في تحصيل الحقوق المالية.
ارتفاع الاقتراض غير المنظم وتغير سلوك السوق
وبحسب بركات، اظهرت الدراسة ارتفاع نسبة الاقتراض من مصادر غير منظمة من 17.4 بالمئة الى 38.3 بالمئة بعد التعديلات، مقابل تراجع الاقتراض من الجهات المنظمة.
واكدت ان هذا التحول يعكس ضغوطا على السوق المالي، ويؤدي الى شروط اكثر قسوة على المدينين، ويرفع الكلف المالية عليهم بشكل مباشر.
كما حذرت من مخاوف مرتبطة باللجوء الى تحصيل الحقوق بطرق فردية، مشددة على ان الاردن دولة قانون ومؤسسات ولا يمكن السماح بتجاوز النظام القضائي.
وبعد نحو 11 شهرا من تطبيق المادة 22 من قانون التنفيذ المعدل، ما زالت التساؤلات قائمة حول قدرة التعديلات على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق وضمان العدالة.
ورغم انخفاض اعداد قضايا حبس المدينين وتخفيف الضغط على مراكز الاصلاح، الا ان ذلك ترافق مع ارتفاع في حالات التعثر وتراجع في الثقة بالبيع الاجل والادوات الائتمانية.
تراجع الثقة وارتفاع الشيكات المعادة
واظهرت بيانات السوق انخفاض الاعتماد على البيع الاجل بشكل كبير، مقابل ارتفاع نسبة التوقف عنه بشكل كامل لدى العديد من التجار.
كما سجلت الثقة بالشيكات والكمبيالات تراجعا حادا، في وقت ارتفعت فيه قيمة الشيكات المعادة لاسباب مالية لتتجاوز مليار دينار خلال عام واحد، ما يعكس ضغوطا متزايدة على الحركة التجارية.
وتظهر مجمل المعطيات ان ملف حبس المدين في الاردن ما زال يشكل نقطة جدل واسعة بين من يراه خطوة اصلاحية انسانية تتماشى مع المعايير الدولية، وبين من يعتبر ان بدائله لم تحقق بعد التوازن المطلوب في حماية حقوق الدائنين.
وبين هذا وذاك، يبقى الملف مفتوحا على نقاش تشريعي واقتصادي مستمر، في ظل تغيرات واضحة في سلوك السوق والاقتراض والائتمان داخل الاقتصاد الاردني.
