تتصاعد التساؤلات في الشارع الليبي حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ظل التحركات الدبلوماسية الاخيرة التي تقودها واشنطن. وبينما تبرز مبادرة مستشار الرئيس الامريكي مسعد بولس كعنوان رئيسي للمرحلة المقبلة، يظل الغموض سيد الموقف حول مدى قدرة هذه المساعي على تحقيق اختراق حقيقي ينهي الانقسام المستمر منذ سنوات. وتأتي هذه التطورات في وقت تتقاطع فيه المصالح الدولية مع الطموحات المحلية في مسار يبدو محفوفا بالتحديات السياسية والامنية المعقدة.
واوضحت المعطيات الميدانية ان مصافحة صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في اسطنبول لم تكن مجرد لقاء عابر، بل اعتبرها مراقبون انعكاسا مباشرا للمقاربة الامريكية التي تهدف لتقريب وجهات النظر بين القوى الفاعلة في الشرق والغرب. واكد محللون ان هذا التقارب يندرج ضمن استراتيجية اوسع تسعى من خلالها القوى الدولية لضمان استقرار ليبيا، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية المتعلقة بتدفقات النفط ومواجهة النفوذ المتنامي لبعض الاطراف الاخرى في المنطقة.
وبين عضو لجنة الدفاع والامن القومي علي التكبالي ان واشنطن تتعامل بواقعية مع الاطراف المؤثرة على الارض بهدف خلق ارضية مشتركة، مشددا على ان اي خطوات قادمة يجب ان تتجاوز الحلول الشكلية لتصل الى توافق وطني حقيقي يجنب البلاد الانزلاق نحو صراعات جديدة. واشار الى ان الجدل المجتمعي لا يزال حاضرا بقوة، خاصة مع وجود تخوفات من ان تكون المبادرة مجرد صفقة ضيقة بين النخب العسكرية والسياسية دون معالجة جذور الازمة.
ابعاد التدخل الدولي ومستقبل التوافق الليبي
وكشف رئيس المركز الليبي للدراسات الامنية والعسكرية اشرف بوفردة ان اللقاءات الاخيرة برعاية تركية وامريكية تشير الى تحول في طبيعة التعاطي الدولي مع الملف الليبي، موضحا ان بناء جيش محترف يتطلب مسارا طويلا يتجاوز تبادل الصور واللقاءات البروتوكولية. واضاف ان نجاح هذه المبادرات مرهون بمدى استعداد القيادات العسكرية في مختلف المناطق للتخلي عن الولاءات الضيقة لصالح بناء مؤسسة وطنية موحدة تحتكم للدستور والقانون.
واظهرت التحليلات ان الدور التركي بات اكثر وضوحا وجرأة في المشهد الليبي، حيث تتحرك انقرة وفق اجندة خاصة تهدف لتثبيت مكاسبها الاستراتيجية وضمان استمرار نفوذها في الملفات العسكرية والسياسية. واكد الباحث جلال حرشاوي ان الخطط الامريكية واجهت تعثرات في مراحلها الاخيرة، مما دفع القوى الفاعلة للبحث عن صيغ جديدة تضمن بقاء التنسيق قائما دون الوصول الى اعلان هيكلي متكامل قد يواجه برفض من بعض الاطراف المحلية.
واشار المتابعون الى ان المبادرة المنسوبة لمستشار الرئيس الامريكي تقترح تفاهمات اقتصادية وعسكرية تدريجية قد تشمل تغييرات في هيكلية المناصب السيادية، لكن يبقى السؤال الاهم حول مدى قبول القواعد الشعبية والتشكيلات المسلحة لهذه السيناريوهات. وخلصت التقديرات الى ان ما يجري حاليا يظل اقرب الى تنسيق مرحلي تفرضه الضغوط الدولية، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في مدى قدرة الليبيين على تحويل هذه التفاهمات الى واقع مؤسسي دائم بعيدا عن الاملاءات الخارجية.
