في مشهد مؤثر يجسد الانتظار المرير، استقبل قطاع غزة مؤخرا 11 طفلا من الخدج، بعد عامين من الفراق القاسي عن عائلاتهم، قضوا خلالها فترة نقاهة بعيدا عن الوطن، هؤلاء الاطفال الذين لا يملكون ذكريات واضحة عن رحيلهم، يحملون في ملامحهم المتغيرة قصة غياب طويل فرضته الظروف الصعبة التي شهدها القطاع.
وفي مجمع ناصر الطبي بخان يونس، تجسدت لحظات مؤثرة، حيث احتضنت الامهات اطفالهن للمرة الاولى، وانهمرت الدموع التي حبستها الايام، ممزوجة بمشاعر الفرح والحنين، وفي تلك اللحظات، عادت الامومة التي سلبتها الحرب.
وصل الاطفال الى غزة برفقة فرق طبية تابعة لمنظمة اليونيسف، وخضعوا لفحوصات طبية شاملة فور وصولهم، واكدت التقارير استقرار حالتهم الصحية، مع الحاجة المستمرة لرعاية خاصة.
عودة الحياة الى غزة
تعود جذور هذه القصة الى الايام الاولى للحرب، عندما اقتحم الجيش الاسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في غزة في نوفمبر 2023، واستمر الاقتحام لمدة عشرة ايام، شهد خلالها اعتقال الطواقم الطبية، ونزوح المدنيين قسرا، وتدمير اجزاء كبيرة من المستشفى.
وفي ظل هذه الظروف المروعة، اعلنت منظمات دولية عن اجلاء 31 طفلا من الخدج من مستشفى الشفاء، الذي كان يعاني من نقص حاد في الامكانيات الطبية والرعاية المتخصصة لحديثي الولادة.
واظهر منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في غزة، تفاصيل تلك اللحظات الصعبة، مبينا ان قصة اطفال الشفاء بدات تحت الحصار وانتهت بعودة الحياة الى غزة.
لحظات لا تحتمل
واضاف البرش ان الكثيرين لا يعرفون قصة الاطفال الخدج التي عاشوها لحظة بلحظة، وهم محاصرون داخل مجمع الشفاء الطبي، حين انقطع الوقود وتوقفت الحاضنات، وبدات الارواح الصغيرة تذبل امام اعينهم، مشيرا الى انها كانت لحظات لا تحتمل.
وتابع قائلا انهم تنقلوا بالاطفال داخل اروقة المستشفى، وهم يحملونهم بين ايديهم بحثا عن فرصة حياة، في مشهد شاهده العالم ووثقته عدسات المنظمات الدولية.
وكشفت شهادات مؤثرة من صحفيين وناشطين عن معاناة الاهالي، ومن بينها شهادة احمد الهرش، الذي استقبل طفله من بين الاطفال الخدج، بعد ان فقد عائلته بالكامل نتيجة القصف.
فرحة الانتصار على الالم
وبين احمد الهرش انه علم بعد ذلك بان زوجته مصابة بجروح خطيرة، فتوجه لرؤيتها قبل ان تفارق الحياة، تاركة وراءها طفلها الذي ولد في شهره الثامن، وبعدها وقع الاقتحام الاكبر لمجمع مستشفى الشفاء الطبي، وتدخلت جهات دولية لنقل الاطفال عبر حضانات دون علم ذويهم، وسط ظروف صحية وانسانية بالغة الصعوبة.
وفي مشهد يعكس فرحة الانتصار على الم الفقد، احتضنت ام الطفلة روان الوادية طفلتها شام لاول مرة منذ ولادتها بعد وصولها من مصر عبر معبر رفح.
وروت والدة الطفلة شام تفاصيل الرحلة، قائلة ان ابنتها اجليت من قطاع غزة وهي لم تتعد سبعة اشهر، برفقة عشرات الاطفال الاخرين، موضحة ان المنظمات الدولية حاولت التواصل معها، ولكن لم تكن هناك اي وسيلة.
جزء من قلبي عاد
واضافت الام بصوت يختلط فيه الفرح بالدموع، ان شعورها لا يوصف في اللحظة التي رات فيها ابنتها، وانها كانت تنتظرها منذ زمن طويل، مشيرة الى ان دموعها لم تتوقف، وكان جزءا من قلبها عاد بعد طول غياب.
لم تمر شهادات الاهالي ومقاطع الفيديو للاطفال الخدج مرور الكرام على الفلسطينيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، اذ اعادت هذه المواد فتح جروح وذكريات مؤلمة من الحرب، بما في ذلك قتل الاطفال وتدمير المستشفيات.
ووصف مدونون وناشطون المشهد بانه مؤلم وصعب جدا على الامهات والاباء، اذ التقوا باطفالهم لاول مرة منذ اكثر من عامين، عقب خروجهم من غزة نتيجة الحرب، مشيرين الى ان اصعب ما في المشهد ان الاطفال لم يتعرفوا على اهاليهم بعدما كبروا بعيدا عنهم.
