كشفت دراسات حديثة أن الحماس لبدء التمارين الرياضية قد يتلاشى سريعا لدى البعض، فبعد شراء الملابس الرياضية ووضع الخطط المثالية، يتوقف الشخص تماما عند أول يوم يفوته، وبينت الأبحاث أن السبب الرئيسي ليس نقص الإرادة أو الوقت، بل نمط تفكير خفي يعرف باسم "كل شيء أو لا شيء".
واظهر هذا النمط من التفكير يجعل الشخص يعتقد أن التمرين لا قيمة له إلا إذا كان مثاليا، أي أن تكون مدة التمرين كافية، وشدة عالية، مع الالتزام الصارم بالجدول، وعندما لا تتحقق هذه الصورة المثالية لأي سبب، يتحول الحماس إلى إحباط، ويبدو التوقف الكامل أسهل من الاستمرار بخطوات صغيرة.
وبينت الدراسات السلوكية أن هذا التفكير الصارم يفسر جزئيا لماذا يجد كثيرون صعوبة في الحفاظ على ممارسة الرياضة، رغم إدراكهم لأهميتها الصحية.
تأثير المثالية المفرطة على ممارسة الرياضة
ويضع التفكير المثالي صاحبه تحت معايير ثنائية للحكم على سلوكه، فإما أن يكون الأداء متقنا تماما، أو بلا قيمة تذكر، ويظهر هذا بوضوح في ممارسة الرياضة حين يعتقد البعض أن التمرين لا يكون مفيدا إلا إذا كان طويلا أو شاقا أو منتظما وفق خطة ثابتة، كأن يظن أن أي نشاط بدني أقل من 30 دقيقة "لا يستحق العناء"، بينما الحقيقة أن أي حركة إضافية تحمل فوائد صحية حقيقية.
واوضحت الباحثة السلوكية ميشيل سيغار من جامعة ميشيغان، أن كثيرين ممن يصفون أنفسهم بأنهم "منقطعون عن الرياضة" لا يعانون من الكسل أو ضعف الإرادة، بل يقعون تحت تأثير هذه الصورة الذهنية المثالية دون وعي كامل بها، فهم لا يعلنون صراحة رفضهم للتمرين غير المثالي، لكن سلوكهم يعكس ذلك، إذ يصاحبهم شعور بالذنب والارتباك عند عدم تحقيق المعايير التي وضعوها لأنفسهم، وهو ما يدفعهم أحيانا إلى التوقف بدل الاستمرار التدريجي.
أسباب التوقف عن الرياضة بعد الحماس الأولي
واظهرت دراسة أجريت بجامعة سان دييغو بولاية كاليفورنيا عام 2011 أن الالتزام بممارسة الرياضة ليس سهلا كما يبدو، حتى لدى الأشخاص المتحمسين في البداية، إذ يتوقف نحو نصف الذين يبدؤون برامج رياضية جديدة خلال بضعة أشهر، وبعضهم خلال أسابيع قليلة فقط.
وتتنوع أسباب الانقطاع بين عوامل عملية ونفسية واجتماعية، فمن العوامل العملية ضيق الوقت، ونقص المرافق أو المعدات، أو عدم توفر المعرفة الكافية بكيفية التمرين، وهي عقبات حقيقية لكنها لا تفسر وحدها سرعة الاستسلام، ومن العوامل النفسية ضعف الثقة في القدرة على الالتزام، انخفاض الدافع، والتصورات السلبية عن فائدة التمرين، وكلها تؤثر في قرار الاستمرار أو الانسحاب.
و التفكير غير المرن من أكثر العوامل تأثيرا، إذ يجعل أي انحراف عن الخطة المثالية يبدو فشلا كاملا، فيتوقف الشخص بدل أن يعيد ضبط خطته ويتكيف مع الواقع، وهناك عوامل اجتماعية مثل الخجل من ممارسة الرياضة أمام الآخرين، ضعف الدعم الاجتماعي، أو تجارب سلبية سابقة مع التمرين.
نصائح لتجاوز التفكير السلبي والاستمرار في الرياضة
واكدت الدراسات ان أخطر ما يفعله هذا النمط من التفكير أنه يقنعك بأن التمرين لا يستحق إذا لم يكن كاملا ومثاليا، ولكسر هذا الفخ، غير السؤال في ذهنك من: "هل أستطيع تنفيذ الخطة كاملة؟" إلى: "ما الذي أستطيع فعله اليوم، مهما كان بسيطا؟".
وتمامًا مثلما لا يبدأ الطفل بالمشي مباشرة بل يتحرك خطوة بعد خطوة، كذلك العادات الصحية لا تتكون دفعة واحدة، ففترات قصيرة من الحركة اليومية، مثل المشي من 10 إلى 15 دقيقة، وصعود الدرج عدة مرات، يمكن أن تحسن صحة القلب واللياقة العامة، فالنشاط البسيط ليس بديلا مؤقتا عن التمرين، بل جزء حقيقي منه، وحين تنظر إليه بهذه الطريقة تدرك أن "القليل" فعلا أفضل من "اللا شيء".
واضاف التفكير المطلق يبقيك أسير صورة قديمة عن نفسك، كمستوى لياقة سابق، أو وزن أخف، أو قدرة أعلى على التمرين، فتقارن جهدك الحالي بما كنت تفعله، وتستنتج أنه "لا يرقى للمستوى"، فتستسلم.
وبين ان هذه المقارنة ليست تحفيزا، بل فخ، وإن ثقتك بما تستطيع فعله الآن هي ما يحدد قدرتك على الاستمرار، وحين تتقبل أين أنت اليوم، وتتعامل مع الرياضة كمسار قابل للتطور لا كاختبار تقارن فيه حاضرك بماضيك، تغلق الباب أمام الجملة الأكثر قتلا للعادات: "لا جدوى، لن أعود إلى مستواي السابق".
وشدد على انه لا يشترط أن يكون النشاط البدني داخل صالة رياضية أو وفق جدول صارم، ويمكن للحركة أن تتسلل إلى يومك بصور بسيطة كالمشي أثناء المكالمات الهاتفية، تمارين إطالة خفيفة أثناء مشاهدة التلفاز، واستخدام الدرج بدل المصعد.
واشار الى ان المشكلة في كثير من الأحيان ليست في إرادتك، بل في الصورة التي رسمتها في ذهنك عما "يجب" أن تكون عليه الرياضة، وحين تتحرر من منطق المثالية المفرطة، تكتشف أن الطريق إلى جسد أكثر صحة لا يبدأ من صالة رياضية مثالية أو جدول صارم، بل من الخطوة المتاحة أمامك الآن مهما بدت صغيرة.
واكد انه في النهاية، اللياقة ليست سباقا ينتهي عند خط النهاية، بل طريقة تختار بها أن تعيش كل يوم، فأنت لست كسولا، أنت فقط كنت تنتظر ظروفا مثالية لن تأتي، وتحرك بما لديك، ومن المكان الذي تقف فيه، وبالوقت المتاح، وهذا كاف للبداية، وكاف أيضا للاستمرار.
