في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز مصطلح "لوكسماكسينغ" (Looksmaxxing) كرمز لثقافة ذكورية جديدة، قوامها الهوس بـ"تحسين المظهر"، الأمر الذي أثار جدلا واسعا ومخاوف متزايدة بين الأوساط الشبابية.
وتحظى هذه الثقافة بقبول واسع بين الشباب والمراهقين، خاصة في المراحل التي يسعون فيها لاكتشاف ذواتهم، حيث يحاول الكثير منهم تجسيد ما يعتبرونه "النموذج الأمثل للرجولة"، كما بين جيسون فيرستين، الحاصل على ماجستير في علم النفس ومؤسس مركز استشارات نفسية للرجال لموقع "هيلث لاين".
ويدفع هذا المسعى المحموم بعض الشباب إلى اللجوء إلى استخدام المنشطات والهرمونات، فضلا عن اتباع ممارسات لتغيير مقاييس الوجه وعرض الفك وعظام الخدين، وذلك سعيا وراء الحصول على "وجه رجولي جذاب للغاية" بملامح حادة وفك قوي، وفقا لما ذكرته ناتالي كيتروف، مقدمة بودكاست "ذا ديلي" بـ"نيويورك تايمز".
توقعات بنمو سوق التجميل الرجالي ومخاوف من اضطرابات الجسد
في المقابل، تشير التوقعات إلى أن المبيعات العالمية لمنتجات التجميل والعناية بالبشرة الخاصة بالرجال قد تتجاوز حاجز الـ5 مليارات دولار بحلول عام 2027، بحسب موقع "ذا كونفرزيشن"، مما يزيد من حدة مخاوف الخبراء إزاء شيوع ثقافة "الوجه والجسم المثاليين"، وما يصاحبها من اضطراب تشوه صورة الجسد، والقلق، واضطرابات الأكل، وسلوكيات قد تصل إلى إيذاء النفس.
يشرح الصحفي جوزيف بيرنشتاين، في حديثه لناتالي كيتروف، أن مكانة الرجل طوال القرن العشرين ارتبطت بشكل أساسي باستقرار العمل والقدرة على إعالة الأسرة، لكن هذا النموذج بدأ بالتآكل مع تسارع إيقاع العصر.
واضاف بيرنشتاين أن فرص العمل أصبحت أقل أمانا، وصعد الذكاء الاصطناعي، وانتشرت الوظائف المؤقتة، وازدادت صعوبة امتلاك المسكن وتحقيق استقرار اقتصادي، بينما يتجه كثيرون للزواج في سن متأخرة، وفي هذا السياق، برزت رؤية جديدة للرجولة يصبح فيها "الجسد" وسيلة لتعويض تراجع المكانة التقليدية، من خلال معايير تركز على "الجسم المثالي" و"الرجل المهيمن" مفتول العضلات.
التواصل الاجتماعي وترسيخ فكرة الجسد القابل للتحسين
أسهمت منصات التواصل في ترسيخ فكرة أن الوجه والجسد مشاريع قابلة للقياس والتحسين، حيث تنتشر مقاطع تشرح كيفية تحليل زاوية الفك وعظام الخد وتصنيف "العيوب" المتصورة، وتحديد ما يحتاج إلى تعديل، مع وصفات لزيادة الكتلة العضلية أو إنقاص الوزن أو "رفع مستوى الجاذبية".
وبينت المنصات ظهور نصائح غريبة مثل لصق اللسان بسقف الفم لتحديد الفك، وأخرى أكثر خطورة كالنقر المتكرر على عظام الوجه بزجاجة أو مطرقة للحصول على مظهر أكثر حدة، وهي ممارسات يحذر الخبراء من تبنيها.
وقدّم موقع "بي بي سي" نموذجا لشاب يدعى لي مارفن (26 عاما)، يمنح نفسه أمام المرآة تقييما قدره 7 من 10، ويقول: "لست راضيا عن بشرتي، وشكل فكي، والهالات السوداء تحت عيني، ولو عالجت هذا لأصبح تقييمي 9 من 10".
طقوس "تحسين المظهر" للوصول إلى "ذروة الرجولة"
واكد مارفن أنه يستخدم تطبيقا لتحليل الوجه وتحديد مناطق "التحسين"، ويبدأ يومه بتمرين رياضي مكثف ثم حمام دافئ يعقبه بارد جدا، ويمسح وجهه بخيارة مجمدة "لتقليل الانتفاخ وحب الشباب وإضفاء إشراقة على بشرته"، وبعد ذلك يجري تمارين للفك والوجه، يضغط خلالها على صدغيه وعينيه "لجعلها أشبه بعيني الذئب"، ويوثق هذه الطقوس بانتظام في مقاطع على "تيك توك" يتابعه عبرها نحو 35 ألف شخص، ويقول إن "تحسين المظهر" يساعده في الوصول إلى "ذروة الرجولة".
أما أحد أبرز المؤثرين في هذا العالم فهو شاب يعرف باسم كلافيكولار، يلقب بـ"الوسيم الخارق" بتقييم 10/10، وبين أن مظهره يرجع إلى تناول هرمون التستوستيرون منذ الرابعة عشرة، وإلى كسر عظم فكه بمطرقة لإعادة تشكيل الجزء السفلي من وجهه، وهما سلوكان يرفضهما الأطباء بشدة، ويشير موقع "بي بي سي" إلى أن محتوى كلافيكولار وأمثاله ساهم في نشر ثقافة "تحسين المظهر" على نطاق واسع بين المراهقين والشباب.
ويرى جيسون فيرستين أن "تحسين المظهر" أصبح اتجاها متناميا يشجع الشباب على روتين مكثف للعناية الشخصية قد يمتد إلى عمليات تجميل وتعديل جسدي جذري.
فيرستين يصف "تحسين المظهر" بالاتجاه السام والمؤذي
ورغم ترويجه على أنه طريق لتحسين الذات، يصفه فيرستين بأنه اتجاه سام ومؤذ، لأنه يجعل الشاب يسعى إلى شعور زائف بالجاذبية والقبول، خاصة لدى الجنس الآخر، ويدفعه إلى استثمار طاقته في الجسد بدافع من مشاعر النقص والدونية.
وحذرت كريستين روبيرتي-برونينغ، اختصاصية اضطرابات الأكل المعتمدة، من أن انتشار مشاكل الصحة النفسية والشعور بالوحدة يزيد من قابلية الشباب للانخراط في هذه السلوكيات وما يرافقها من اضطراب صورة الجسد وسلوكيات مؤذية ذاتيا.
بحسب روبيرتي-برونينغ، يصبح "التطوير الذاتي" ضارا عندما يكون القلق هو الدافع الأساسي، وحين تستحوذ طقوس العناية بالمظهر على جزء كبير من الوقت والانتباه، بحيث تعيق حضور الشاب في حياته اليومية وعلاقاته.
التركيز على الاهتمام بالنفس من الداخل وجودة الحياة والعلاقات
واضافت أن الرسائل المجتمعية التي تربط الرجولة بعضلات مفتولة ولياقة عالية، قد تدفع بعض الرجال إلى الخجل من أجسادهم وتدني احترام الذات، إذا لم يطابقوا هذا النموذج المثالي.
لذلك يؤكد جيسون فيرستين أن التحسين الذاتي الصحي يركز على الاهتمام بالنفس من الداخل وجودة الحياة والعلاقات، ولا يشبه محتوى "العناية الذاتية" الرائج على منصات التواصل الذي يحصر القيمة في الصورة الخارجية للجسد.
تقول روبيرتي-برونينغ إن الشعور بعدم الرضا عن بعض ملامح الجسد أمر إنساني، لكن الأهم هو تعلّم تقبّل الذات والتعامل مع هذه المشاعر بطرق آمنة، مثل:
نصائح لتقبل الذات في عصر "الجسد المثالي"
- استخدام الإبداع للتعبير عن المشاعر، عبر الرسم أو تجميع الصور أو الكتابة.
- متابعة حسابات تشجع على تقبل الجسد والرجولة الصحية، بدلا من تعزيز معايير مثالية خانقة.
- قضاء وقت أكبر مع الأصدقاء والعائلة وبناء علاقات داعمة خارج العالم الافتراضي.
