على مشارف عيد الفطر، انطلق السوداني محمد السيد، البالغ من العمر 33 عاما، في رحلة من حي فيصل بمحافظة الجيزة المصرية متجها نحو أسوان، نقطة العبور البرية التي تربط بين مصر والسودان، وذلك بعد انقضاء عشرة أشهر قضاها في مصر، بينما كانت عائلته تقيم في منطقة الجزيرة بالسودان، وأرجع قراره المفاجئ بالعودة، دون استكمال علاجه، إلى ما وصفه بالحملات الأمنية المصرية التي تستهدف مخالفي الإقامة.
وتشهد رحلات العودة الطوعية ارتفاعا ملحوظا خلال الاسابيع الاخيرة، على الرغم من تقلص مبادرات العودة المجانية، وبينت مصادر سودانية، أن هذا الارتفاع يعزى إلى الحملات الأمنية التي تستهدف ترحيل السودانيين الذين لا يحملون إقامات سارية المفعول، ما دفع العديد من الأسر إلى تفضيل تحمل نفقات العودة على تكاليف البقاء في مصر، والتي تشمل دفع إيجار شقة مرتفع لشهر إضافي، بالإضافة إلى خطر الترحيل، حسبما أوضح ابراهيم عز الدين، الأمين العام للجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة.
وتسببت الحرب الدائرة في السودان في نزوح الملايين من داخل البلاد وخارجها، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مصر استقبلت نحو 1.5 مليون سوداني، إلا أنه منذ بداية العام الجاري وحتى نهايته، عبر أكثر من 428 ألف سوداني المنافذ البرية مغادرين إلى السودان، وفقا لتقديرات سودانية رسمية.
تزايد أعداد المغادرين بعد العيد
واضاف عز الدين أن أعداد الأسر التي غادرت بعد عيد الفطر تفوق بكثير تلك التي كانت تغادر قبله، متوقعا أن تتضاعف الأعداد بشكل أكبر بعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في شهر مايو القادم.
واكد مؤسس حملة راجعين لي بلد الطيبين، محمد سليمان، أن الحملة لديها قوائم طويلة بأسماء المسجلين الذين سيتم تفويجهم تباعا للعودة، لافتا إلى أن الأعداد شهدت زيادة كبيرة منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأن الرحلات تسير بسلاسة بعد تدارك السلطات السودانية أزمة كادت تعرقل حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري.
وشهد ميناء أرقين البري يوم الجمعة الماضية ازدحاما شديدا بسبب إضراب سائقي الحافلات اعتراضا على زيادة الضرائب المفروضة عليهم، مما اضطر العائدين، بمن فيهم النساء والأطفال، إلى افتراش الأرض بجانب حقائبهم، وبعد ساعات من الأزمة، قرر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.
حل أزمة ميناء أرقين وتأثيرها
وعلق سليمان قائلا: لو لم يتم حل الأزمة بسرعة، لكان ذلك قد أثر سلبا على أعداد الوافدين يوميا، بعد الزيادة الملحوظة التي شهدتها.
واكد مدير معبر أرقين والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، في تصريح صحفي، الزيادة في أعداد العائدين، مبينا أن المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر، حيث يتراوح عدد القادمين يوميا ما بين 1500 و2000 مواطن، على الرغم من أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد.
وبعد انتظار دام شهورا، تفكر السودانية لمياء محمد، البالغة من العمر 32 عاما، في استبدال الحافلات المدفوعة بالعودة الطوعية المجانية، وذلك بسبب التأخر الحاصل في الأخيرة وعدم وضوح مواعيد رحلاتها، على الرغم من أن توفير المبلغ المطلوب للعودة المدفوعة، بعد ارتفاع أسعارها، ليس بالأمر الهين.
ارتفاع تكاليف العودة وتأخر المبادرات المجانية
وارتفعت أسعار الرحلات بنحو ألف جنيه مصري، وبين منسق حملة راجعين لي بلد الطيبين، عبد الناصر جعفر، أن تكلفة الرحلة أصبحت 3500 جنيه للفرد بعدما كانت 2500 جنيه، مرجعا ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.
وبينت لمياء أنها سجلت في المرحلة السابقة للعودة الطوعية المجانية قبل إغلاق باب التسجيل في شهر أكتوبر الماضي، وظلت تنتظر اتصالا يخبرها بموعد رحلتها، ولكن ذلك لم يحدث، وبعد إعادة فتح باب التسجيل، حاولت التسجيل مرة أخرى، لكنها واجهت صعوبات وتعقيدات سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة أو صعوبة تحميل الموقع.
وساهمت رحلات العودة المجانية، التي انطلقت في شهر يوليو من العام الماضي واستمرت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، إلا أنها توقفت في بداية العام الحالي في انتظار توفير التمويل اللازم لاستئنافها.
تحديات تواجه العائدين ورغبتهم في المغادرة
وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجانا، دون تحديد موعد لاستئناف تسيير الرحلات، مع العلم أن المرحلة الجديدة ستشمل رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.
وترغب لمياء وعائلتها الكبيرة، المكونة من تسعة أفراد، في العودة خلال الشهر القادم، وبحد أقصى قبل نهايته، وتقول: نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية، لذلك سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة.
وشرعت قوات الأمن المصرية في شهر ديسمبر الماضي في تنفيذ حملات واسعة في المناطق التي يتركز فيها الوافدون وفي الطرق، وذلك للتحقق من الإقامات وتوقيف المخالفين.
وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، من بينهم مهاجرون ولاجئون وطالبو لجوء، ينتمون إلى 62 جنسية مختلفة، وعلى رأسهم السودانيون والسوريون، وتقدر الحكومة المصرية أن ذلك يكلف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنويا.
واوضح مدير عام هيئة وادي النيل البحرية، العقيد محمد آدم محمد أبكر، أن العمل في ميناء وادي حلفا البديل يجري على قدم وساق، وأنه سيكون جاهزا خلال أسبوعين، متوقعا استئناف رحلات العودة الطوعية في منتصف شهر أبريل، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ذلك ليس موعدا نهائيا.
