مع انقضاء ساعات الصيام في سلطنة عمان، تتدفق جموع المصلين نحو المساجد في مشهد يجسد الروحانية العالية، حيث يصطحب الاباء ابناءهم بملابسهم العمانية البيضاء، فيما تقصد العائلات مساجد معينة ليشهدوا ختم كتاب الله كاملا في صلاة التراويح والقيام.
وبين صوت يرتفع بالقران الكريم ونظام يبعث على السكينة والاطمئنان، تحولت بعض الجوامع العمانية الى محطات رئيسية يقصدها الناس ليس فقط لاداء الفريضة، بل ايضا للعيش في رحاب تلاوات متقنة يقدمها نخبة من القراء العمانيين الذين توجوا في منصات عالمية.
الجدير بالذكر ان المساجد والجوامع في سلطنة عمان تحظى باهتمام كبير خلال شهر رمضان المبارك، حيث تشهد فعاليات دينية وثقافية متنوعة تهدف الى تعزيز الوعي الاسلامي والتواصل الاجتماعي.
مسجد الحشاة: منارة العلم والقرآن
في قلب ولاية سناو، يبرز مسجد الحشاة كواحد من اعرق المحطات الروحية، حيث ارتبط اسمه لعقود باسم العلامة المربي حمود بن حميد الصوافي، الذي يعد واحدا من ابرز العلماء والدعاة في عمان ممن جمعوا بين التعليم الشرعي والتربية والدعوة.
وولد الشيخ في بلدة المغدر بولاية سناو في اربعينيات القرن الماضي، ورغم انه فقد بصره في سن مبكرة، فان ذلك لم يثن عزيمته، بل واصل مسيرته العلمية بجلد حتى اصبح من الشخصيات المؤثرة، كما اسس مدرسة علمية رائدة خرجت اجيالا من طلبة العلم.
وتقديرا لاسهاماته الجليلة في مجال المبادرات الاهلية والمسؤولية الاجتماعية، منحه السلطان هيثم بن طارق وسام الاشادة السلطانية من الدرجة الثانية.
واضاف، ان المسجد يحافظ على تقليد ختم القران الكريم ختمتين كاملتين في صلاة التراويح والتهجد، وهو نهج دأب عليه المسجد منذ سنوات طويلة بامامة الشيخ حمود الصوافي، فبعد سنوات طوال كان فيها الشيخ يتقدم تلامذته اماما، ها هم اليوم يتقدمون بين يديه بجميل تلاواتهم، في مشهد وفاء يختصر حكاية جيل يحمل امانة شيخه ببراعة.
وبين، ان من ابرزهم القارئ محمد بن عبدالله المعمري، وهو امام وخطيب وصاحب القراءات السبع، والفائز مؤخرا بالمركز الرابع في المسابقة العالمية للقران الكريم في دورتها ال32 في مصر (فرع القراءات السبع مع توجيهها).
واكد، ان القارئ المهندس الحافظ لكتاب الله سلطان بن حمد البوسعيدي يؤمهم ايضا في صلاة التهجد، والذي بدا بالصلاة اماما في مسجد الحشاة منذ خمسة عشر عاما تقريبا، ليظل المسجد منارة للختمات القرانية المتقنة باصوات تلامذة الشيخ الذين يحملون ارثه القراني.
جامع السلطان قابوس بصحار: تحفة معمارية وروحانية
وبالانتقال الى مدينة صحار، يقف جامع السلطان قابوس، الذي افتتح في اكتوبر، بوصفه واحدا من اجمل الجوامع الحديثة، حيث صمم الجامع بنمط معماري فريد يستلهم عراقة مدن التاريخ الاسلامي مثل بخارى وسمرقند وطشقند في اوزبكستان، ويشبه في تصميمه مسجد بيبي خانوم الشهير، مع لمسات فنية تجعله لوحة هندسية تزدان بقبابه الكريستالية واربع منارات شاهقة يزيد ارتفاعها على 84 مترا.
يمتد الجامع على مساحة شاسعة، ويضم قاعة صلاة رئيسية تتسع لـ4600 مصل، ومصلى للنساء يتسع لـ740 مصلية، بالاضافة الى مكتبة عامة ضخمة تضم الاف العناوين.
وللعام الخامس على التوالي، يلتزم الجامع بختم المصحف الشريف كاملا في التراويح والتهجد، بامامة ثلة من القراء الذين رفعوا اسم عمان عاليا في المحافل الدولية في مجال القران الكريم.
واشار، الى ان القارئ معاذ بن سالم المشرفي يؤم المصلين فيه، والذي حقق المركز الرابع عالميا في المسابقة العالمية الـ31 بمصر (فرع حفظ القران كاملا مع التفسير والتوجيه النحوي)، وزميله القارئ عبد العزيز بن منير المسروري، الذي انتزع المركز الثالث عالميا في جائزة ليبيا الدولية لحفظ وتجويد القران الكريم، هذا التميز الدولي للائمة جعل من الجامع مقصدا روحيا في شمال الباطنة.
جامع ابي بلال المرداس: نموذج عصري في صلاة القيام
أما في العاصمة مسقط، وتحديدا في منطقة الموالح، فقد استطاع جامع ابي بلال المرداس ان يقدم نموذجا عصريا في ادارة صلاة القيام، حيث يعتمد نظاما دقيقا يشارك فيه اكثر من 20 اماما من اصحاب الاصوات الشجية.
ويتميز الجامع بقراءة جزء ونصف يوميا في صلاة القيام المكونة من 12 ركعة، مما يتيح للمصلين معايشة ختمة قرانية تكتمل في ليلة العشرين من رمضان.
وفي العشر الاواخر، ينتقل المصلون الى نظام القراءة المفتوحة التي تمنح الائمة مساحة للتبتل والدعاء، وسط تنظيم لافت يراعي كثافة الحضور وتنوع القراء وتوزيع القراءة بشكل يضمن استمرارية الروحانية.
جامع الجليل: وجهة ايمانية وروحانية
وفي المعبيلة الجنوبية بمحافظة مسقط ايضا، يبرز جامع الجليل كوجهة ايمانية واظبت منذ افتتاحها على اقامة ختمة قرانية مباركة في صلاة التهجد طيلة ايام الشهر الفضيل.
وبين، ان الفضل في استدامة هذا النهج والتنظيم العالي يعود الى الاستاذ لقمان بن خلفان المياحي، وهو حافظ ومجاز واحد مؤسسي الجامع الذين سعوا للارتقاء به ليكون منارة دينية واجتماعية.
واضاف، ان ثلة من الحفظة المجازين يؤمون المصلين في هذه الختمة، يتقدمهم الاستاذ لقمان المياحي، والقارئ ابراهيم بن سعيد الصوافي الحائز على المركز الاول في مسابقة السلطان قابوس لحفظ القران الكريم كاملا، والقارئ سالم بن ادريس الرواحي الحاصل على المركز الثالث في ذات المسابقة (مستوى 18 جزءا)، وقد جعل هذا الجمع من القراء المتقنين صلاة التهجد في جامع الجليل تجربة روحية فريدة يقصدها القاصي والداني.
جامع القلعة: عبق التاريخ وجلال العبادة
ولا تكتمل الصورة الروحية في عمان دون التوقف عند مدينة نزوى بيضة الاسلام، حيث يبرز جامع القلعة الشامخ، الذي يعود تاريخ تشييده الاول الى عام 192هـ (811م)، هذا الصرح الذي بناه الشيخ عبدالله بن محمد العبادي، يمثل ذاكرة دينية وعلمية حية، ففيه اقام الامام غسان بن عبدالله اليحمدي اول صلاة جمعة، ومنه تخرجت اجيال من العلماء والادباء.
وفي العصر الحديث، اعيد بناؤه على نفقة السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وافتتحه عام 1980 ملقيا فيه خطبته التاريخية.
والجامع الذي يتسع لـ5000 مصل، والمبني على طراز المعمار العماني الذي يحاكي نمط القلعة والسوق، لا يزال يؤدي رسالته التعليمية عبر مدرسته لتحفيظ القران ومكتبته العامة.
واوضح، انه في رمضان، يشهد الجامع توافد اكثر من الف مصل في صلاة التهجد، يؤمهم نخبة من الحافظين لكتاب الله والمتمكنين، من بينهم خالد المغيري وامجد البوسعيدي ويوسف البوسعيدي وسالم العبري وسعود المحروقي ومحمود الريامي وسليمان البوسعيدي وحبيب الجابري، هذا التنوع في الاصوات مع عراقة المكان يجعل من قيام الليل في جامع القلعة تجربة وجدانية فريدة تمزج بين جلال العبادة وعبق التاريخ العماني الاصيل.
