مع غروب شمس يوم رمضاني في سلطنة عمان، تتغير ملامح الحياة، حيث يخرج مصعب من منزله في قرية الغابة بولاية الرستاق، متجها نحو السوق الشعبي القديم، القلب النابض بالحياة والتقاء الناس. يختلط مصعب بزحام السوق، حيث يعرض الباعة المتجولون أشهى الأطعمة التي لا تظهر إلا في هذا الشهر الفضيل.
يحرص مصعب على شراء الهريس والسمبوسة، ليضفي لمسة من بهجة السوق على مائدة الإفطار التي تعدها زوجته بكل حب وتفان. ويرى مصعب أن زيارته للسوق ليست مجرد شراء للطعام، بل هي بحث عن روح رمضان في وجوه الناس، واستشعار لبركة الشهر الكريم في كدح البائعين وابتسامات المشترين.
واضاف مصعب أن هذه الاجواء الرمضانية تعيد ترتيب الاولويات وتعزز التواصل الاجتماعي بين افراد المجتمع. مبينا ان رمضان فرصة لتعزيز القيم والاخلاق الحميدة.
تبادل المودة والأطباق
وبينما يعود مصعب إلى منزله، يبرز مشهد آخر في أزقة الحارة الضيقة، حيث يطل الطفل عمار حاملا طبقا من اللقيمات الذهبية، متجها نحو بيت الجيران. انها عادة تبادل الأطباق، التي تتجسد فيها معاني المودة والمحبة.
يمر عمار بأطفال آخرين يحملون أطباقا مماثلة، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع العماني في رمضان. واكد أن هذه العادة تعزز الروابط الاجتماعية بين الجيران وتقوي العلاقات الإنسانية.
واوضح أن البيوت العمانية تكاد لا تخلو من أطباق الجيران قبل أذان المغرب، مما يحول المجتمع إلى مائدة واحدة ممتدة، تتلاشى فيها الفوارق بين الغني والفقير. مبينا ان رمضان شهر الخير والبركة والتكافل.
الإفطار الجماعي والتلاحم
وفي قرية مجاورة، يتكرر مشهد آخر يعكس فلسفة التلاحم العماني، حيث يجتمع أبناء القرية في ساحة واسعة لتناول الإفطار الجماعي. واكد أن هذا التجمع يعزز الوحدة والتآخي بين أفراد المجتمع.
يتسابق الشباب في تجهيز مكان الإفطار، ووضع علب اللبن وتصفيف الأطباق، في جو يسوده التعاون والمحبة. وبين أن هذا التجمع ليس مجرد لقاء لتناول الطعام، بل هو ميثاق اجتماعي يتجدد كل عام، ويتحول فيه الجار إلى أخ على مائدة واحدة.
واشار الى أن هذا الوصل الرمضاني لا يقتصر على أبناء المحلة، بل يمتد ليشمل تجمعات مماثلة تضم الأقارب والأصدقاء، الذين يحرصون على إحياء هذه العادة في رمضان. موضحا ان رمضان شهر التواصل وصلة الرحم.
ليالي رمضانية ساحرة
مع انطلاق صوت المؤذن، تتصدر التمر واللبن والمأكولات الشعبية المشهد، وتفوح رائحة القهوة العمانية الممزوجة بالهيل والزعفران. وبين أن هذه الأجواء تعكس كرم الضيافة العمانية وحسن الاستقبال.
وما إن يفرغ الناس من إفطارهم وصلاتهم، حتى تشهد الحارات العمانية تحولا بصريا ساحرا، حيث تنتشر الأضواء الرمضانية الصفراء الخافتة، التي تتدلى بين الأزقة والحارات القديمة، فتضفي على المكان هالة من القدسية والجمال. واكد أن هذه الأضواء تزيد من جمال ليالي رمضان وتعكس الفرحة بقدوم الشهر الكريم.
ثم ينساب الناس نحو المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تكتظ الصفوف وتتعالى الأصوات بالدعاء، وفي تلك اللحظات الروحانية، تذوب الفوارق وتتحد الأرواح في مناجاة الخالق. موضحا ان رمضان شهر العبادة والتقرب إلى الله.
المجالس والتهجد
وما إن تنتهي الصلاة، حتى تبدأ الحياة الثانية لليل رمضاني فريد في عمان، فلا يعود الناس إلى مضاجعهم، بل تضج السكك بالتجمعات واللقاءات بين أهالي القرية والحي الواحد. واضاف أن هذه اللقاءات تعزز التواصل الاجتماعي وتبادل الأحاديث والقصص.
يجلس الكبار في المجالس أو السبلة العمانية، يتسامرون في أمور حياتهم، ويستذكرون الماضي ويخططون للمستقبل، في حين تنشط الزيارات العائلية وصلة الأرحام التي تعد ركيزة الهوية العمانية الرمضانية. وبين أن هذه الزيارات تعزز الروابط العائلية وتقوي العلاقات بين الأقارب.
ومع اقتراب الساعات الأخيرة من اليوم، وحين يلف الهدوء أركان القرية، يدخل الليل الأخير، حيث يهرع الآباء مصطحبين أبناءهم نحو صلاة التهجد، في مشهد إنساني غاية في الجلال. واكد أن هذه اللحظات تعزز الروحانية وتزيد من القرب إلى الله.
