مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، تستعيد العاصمة السورية دمشق ملامحها الرمضانية المميزة، حيث تعود نداءات الباعة في الأسواق القديمة، وتفوح رائحة الزيت الساخن من عربات منتشرة على الأرصفة، فيما تعرض الأفران أرغفة ذهبية شهية.

لا يحتاج سكان دمشق إلى تقويم لمعرفة قرب حلول رمضان، فظهور "الناعم" وانتشار رائحة "المعروك" يعتبر إيذانا بقدوم الشهر الفضيل.

والناعم الدمشقي هو خبز مقرمش مقلي يغطى بدبس التمر أو العنب، ويعتبر جزءا أساسيا من موائد الإفطار الرمضانية في دمشق منذ قرنين تقريبا، حسب مراجع في التراث الغذائي المحلي.

الناعم: حلوى الفقراء تتحول إلى موروث شعبي

وارتبط اسم الناعم بشهر رمضان، وتحول إلى واحدة من أبرز الحلويات الشعبية التراثية في العاصمة، إلى جانب المعروك، حتى أصبح حضورهما من العلامات الموسمية التي تميز رمضان الدمشقي.

عرف الناعم تاريخيا بأنه "حلوى الفقراء" بسبب رخص ثمنه وبساطة مكوناته، قبل أن يتحول إلى موروث شعبي، ويتكون من عجينة بسيطة من الطحين والماء والقليل من الملح، تفرد بشكل رقيق وتجفف قليلا، ثم تقلى سريعا في الزيت حتى تنتفخ وتكتسب لونا ذهبيا وقرمشة خفيفة، وبعد القلي، يغطى بدبس العنب أو التمر ويقدم ساخنا.

وتذكر موسوعة "التراث الشعبي السوري" أن الناعم يصنف ضمن الحلويات الموسمية المرتبطة برمضان في دمشق، مشيرة إلى جذوره الممتدة في أسواق المدينة القديمة.

المعروك: خبز رمضان الذي لا غنى عنه

كما يورد الباحث في التراث الدمشقي قتيبة الشهابي في كتابه "دمشق تاريخ وصور" أن عربات الحلويات الشعبية، ومنها الناعم، شكلت جزءا من المشهد الرمضاني في محيط الجامع الأموي والأسواق المجاورة، إذ يزداد الطلب عليه قبيل أذان المغرب، ويصطف الزبائن في مشهد يتكرر كل عام.

واضافة إلى الناعم، يبرز المعروك بوصفه الخبز الحلو الأبرز في شهر رمضان، وهو خبز طري القوام يحشى غالبا بالتمر أو جوز الهند أو القشطة، ويرش بالسمسم أو السكر.

وتشير دراسات في التراث الغذائي السوري إلى أن المعروك ارتبط تاريخيا برمضان لقيمته الغذائية وسهولة تناوله في وجبتي الإفطار والسحور، فيما يذكر كتاب "التراث الشعبي في دمشق" أن العائلات كانت تحضره منزليا بكميات كبيرة قبل أن يتحول إلى منتج موسمي تتنافس الأفران في تقديمه بأحجام وحشوات متنوعة، حتى باتت رائحته في الأزقة علامة حسية على حلول الشهر.

طقوس رمضانية تتجاوز حدود المائدة

ولا يقتصر حضور الناعم والمعروك على المائدة، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية في دمشق، حيث تتبادل الأسر الأطباق، وهي عادة دمشقية راسخة، وغالبا ما تتضمن قطعا من المعروك أو حصصا من الناعم.

وبين قرمشة الناعم الساخن ونعومة المعروك الخارج من التنور، تتجسد الحكاية بين صنفين من الحلويات في ذاكرة تختزن طقوسها في مذاق بسيط ورائحة عابرة في الأزقة، ومع كل عام، يعود المشهد ذاته في سوق مزدحم وقطعة ناعم تغمس في الدبس، لتؤكد أن بعض العادات أقوى من الزمن.