أحدث قرار المجلس الدستوري اللبناني بإبطال قانون استقلالية السلطة القضائية وإعادته إلى مجلس النواب اللبناني صدمة سياسية وقانونية واسعة، بعدما أطاح بمسار تشريعي امتد نحو عقد كامل، وأعاد ملف إصلاح القضاء إلى المربع الأول، ولم يقتصر القرار على كونه إجراء تقنيا، بل حمل أبعادا سياسية عبر إعادة فتح النقاش حول حدود استقلال القضاء في نظام يقوم على توازنات دقيقة بين السلطات ونفوذها.

صحيح أن إبطال القانون لا يعني رفض مبدأ استقلال القضاء بحد ذاته، إلا أنه كشف عن عمق الخلاف حول كيفية تحقيق هذا الاستقلال، ومن يملك مفاتيحه الفعلية، فهو أظهر أن الصراع الحقيقي لا يدور حول النصوص فقط، بل حول توزيع السلطة داخل الدولة، خصوصا في بلد اعتاد فيه السياسيون الاحتفاظ بنفوذ مؤثر داخل المؤسسات القضائية.

واستند المجلس الدستوري في قراره، الصادر بأكثرية أعضائه، إلى أن التعديلات التي أدخلت على القانون بعد رده من قبل الرئيس جوزيف عون، لم تعرض مجددا على مجلس القضاء الأعلى، وهذا يشكل مخالفة جوهرية؛ لأن المجلس هو المرجع المختص حصرا بإدارة شؤون القضاء، كما رأى أن تكليف وزير العدل عادل نصار تمثيل مجلس القضاء في لجنة الإدارة والعدل يتناقض مع الهدف الأساسي للقانون، أي فصل القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ومنع أي وصاية سياسية عليه.

أسباب الإبطال وتداعياته

ودستوريا، عد القرار أن القانون تضمن ثغرات تمس مبدأ فصل السلطات وتوازنها، بل وتسمح بتداخل صلاحيات قد يضعف استقلال القضاء بدل تعزيزه، وهذا التوصيف شكل رسالة واضحة إلى السلطة السياسية بأن أي إصلاح قضائي لا يمكن أن يتم من دون شراكة حقيقية مع الجسم القضائي نفسه.

والقانون المبطل كان قد أدخل تعديلات وصفت بأنها جوهرية، أبرزها اعتماد انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من الهيئات القضائية، باستثناء ثلاثة أعضاء حكميين تعينهم الحكومة من بين ثلاثة مرشحين لكل منصب، كما وسع صلاحيات المجلس في إعداد التشكيلات القضائية، مع إبقاء توقيع المراسيم بيد المراجع السياسية المختصة، إلا أن هذه الصيغة عدت في الأوساط القضائية تكريسا لاستمرار النفوذ السياسي، لا خطوة نحو استقلال فعلي.

ورأت مصادر قضائية أن الاستقلال الحقيقي يتطلب انتخاب مجلس القضاء الأعلى بكامل أعضائه من القضاة، واكدت التمسك بمنح مجلس القضاء وحده سلطة إصدار التشكيلات القضائية، إضافة إلى استقلال مالي كامل أسوة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، كما شددت على ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة الداخلية، ولا سيما التفتيش القضائي والمجلس التأديبي، لضمان نزاهة الأداء واستقلال القرارات.

موقف القضاة والبرلمان

وسياسيا، يضع القرار البرلمان اللبناني أمام اختبار بالغ الحساسية، فهو مطالب بصياغة قانون جديد يرضي القضاة ويحظى في الوقت نفسه بتوافق الكتل النيابية، وهو أمر يبدو بالغ التعقيد في ظل الانقسام العميق حول مدى استقلال القضاء وحدوده، وثمة خشية حقيقية بأن يتحول الملف مادة صراع طويل قد يمتد سنوات، خصوصا أن القضاء يشكل إحدى أهم أدوات التوازن داخل النظام اللبناني.

ورأى الخبير القانوني والدستوري الدكتور سعيد مالك، أن المجلس الدستوري أبلى بلاء حسنا بإبطال هذا القانون، الذي خالف المادة 20 من الدستور، وتجاهل دور مجلس القضاء الأعلى بصياغة بنوده، وقال بعيدا عن خلفية القرار وما إذا كان رسالة إلى فريق معين أو تعبيرا عن انقسام ما، فإن القرار حدد مكمن الخلل في القانون، الذي يضرب مبدأ فصل السلطات ويضعف استقلالية السلطة القضائية.

وفي المقابل، رحب نادي القضاة في لبنان بالقرار، واصفا إياه بالتاريخي؛ لأنه أعاد التأكيد على القيمة الدستورية لاستقلال السلطة القضائية، وكشف عما وصفه بتعدي السلطة التشريعية على صلاحيات القضاء عبر إقصاء مجلس القضاء الأعلى عن التشاور في قانون ينظم شؤونه، ودعا النادي إلى إصدار قانون جديد يضمن استقلالا إداريا وماليا فعليا، والالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة في الدول الديموقراطية.

مستقبل استقلالية القضاء

وفعليا، لم يسقط القرار فكرة استقلال القضاء، لكنه أسقط الصيغة التي حاولت التركيبة السياسية في لبنان تمريرها، للإبقاء على نفوذها ولو جزئيا في القضاء، لكن بين طموح القضاة للاستقلال الكامل، وحرص السياسيين على عدم خسارة أدوات التأثير، تبدو معركة استقلال القضاء في لبنان دخلت مرحلة لا أحد يعرف مداها.