لم يكن شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بـ"ابن بطوطة"، مجرد مسافر يقطع الفيافي والقفار، بل كان "عين التاريخ" وصوت الحضارة الإسلامية في أوج تمددها الكوني.

في عام 725 هـ، انطلق هذا الشاب ذو الاثنين وعشرين ربيعا من مسقط رأسه طنجة، مدفوعا برغبة فطرية في الحج، لكن الرحلة التي بدأت كمنسك ديني تحولت إلى أطول مغامرة في تاريخ القرون الوسطى، واستمرت قرابة ثلاثين عاما، وطوى خلالها نحو 120 ألف كيلومتر، وهي مسافة لم يقطعها أحد قبله في عصر الخيول والجمال والسفن الشراعية.

في كتابه الخالد "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، الذي أملى تفاصيله على الأديب "ابن جزي" بأمر من السلطان المريني أبي عنان، لم يقدم ابن بطوطة جغرافيا صماء، بل قدم "أنثروبولوجيا حية للمجتمعات.

رمضان محطة للرصد الاستثنائي

كان رمضان بالنسبة له محطة رصد استثنائية، ففيه تنكشف أخلاق الشعوب، وتبرز الهوية الثقافية لكل بلد، وتتجلى وحدة الأمة في شعيرتها، وتنوعها في عاداتها، من أضواء مكة إلى "قيود" مالي، نبحر مع ابن بطوطة لنستكشف كيف كان العالم الإسلامي يصوم، ويحتفل، ويربي أجياله قبل سبعة قرون.

تمثل مكة المكرمة في رحلة ابن بطوطة المركز الروحي والقلب النابض للوجود، وفيها رصد الرحالة أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية لمن اسماهم "المجاورين" -العلماء والزهاد الذين اختاروا العيش بجوار الكعبة.

يصف ابن بطوطة استقبال رمضان في مكة بوصفه "انفجارا من الضوء"، حيث تجدد الحصر، وتملا القناديل بالزيت حتى يتلألأ المسجد الحرام وكأنه قطعة من الجنة هبطت إلى الأرض.

السحور البصري في مكة

من أغرب وأجمل النظم التي توقف عندها ابن بطوطة هي الطريقة المبتكرة لتنبيه الناس لوقت السحور والإمساك، ويروي ابن بطوطة بلسان المشاهد المنبهر أن "المؤذن الزمزمي" كان يتولى مهمة "التسحير" من فوق المئذنة الموجودة في الركن الشرقي من المسجد الحرام.

ولأن مكة جبلية الوعورة، وبيوتها ممتدة في الشعاب وقد لا يصل صوت الأذان للجميع، ابتكر المكيون نظاما تقنيا مبكرا، وكان المؤذن يضع فانوسين كبيرين من الضوء فوق صومعة المئذنة.

وقال ابن بطوطة: "يظل الفانوسان مشتعلين والنداء مستمرا، فإذا اقترب وقت الفجر وقرب وقت الإمساك، قام المؤذن بانزال الفانوسين"، وهذه الإشارة البصرية كانت تعني توقف الجميع عن الطعام فورا.

رقي التنظيم الاجتماعي في مكة

يبرهن هذا الرصد على رقي التنظيم الاجتماعي في مكة، حيث لم تكتف السلطات الدينية بالصوت، بل استعانت بالضوء لضمان دقة العبادة، وهو ما يعكس حضارة كانت تعنى بالتفاصيل التنظيمية التي تخدم الجماهير.

ووصف ابن بطوطة أيضا مشهد صلاة التراويح، حيث كان الحرم يغص بأئمة متعددين، لكل جماعة إمامها وقراءتها، مما يخلق تداخلا روحيا للأصوات يملا أركان الكعبة بالسكينة.

ويذكر أن أهل مكة كانوا يقضون معظم وقتهم في الحرم، حيث يتبادلون الإفطار البسيط المكون من التمر وماء زمزم، في تكافل اجتماعي يجعل من الغريب والمجاور وأهل البلد أسرة واحدة تحت راية الصوم.

رمضان في مملكة مالي

وحين ارتحل ابن بطوطة إلى أقصى غرب إفريقيا، إلى مملكة مالي العظيمة، وجد صورة من الإسلام أبهرته بصلابتها ونقائها، رغم قسوة المناخ والبيئة.

كان رمضان في مالي "موسما للانضباط الشديد"، وهو ما رصده ابن بطوطة في عدة مشاهد مدهشة.

وصف ابن بطوطة شدة تمسك أهل مالي بالصلاة وحرصهم البالغ عليها، لدرجة تفوق ما رآه في حواضر المشرق، ورصد عادة غريبة في صلاة الجمعة والصلوات الرمضانية، وبسبب الازدحام الخانق وتبكير الناس للصلاة، كان الرجل الثري أو الوجيه يرسل "غلامه" (خادمه) قبل وقت طويل من الأذان، حاملا (سجادة الصلاة)، ليقوم الغلام بفرشها في الصفوف الأولى وحجز المكان لصاحبه حتى يحضر.

ثقافة جماعية تنافسية

واشار ابن بطوطة بلهجة المتعجب إلى أن من يتوانى عن هذا الإجراء لن يجد مكانا يصلي فيه أبدا، لأن المساجد تمتلئ عن بكرة أبيها قبل الأذان بساعات، وهذا المشهد يوضح كيف تحولت العبادة في مالي إلى "ثقافة جماعية" تنافسية، حيث التبكير للمسجد هو معيار الوجاهة والتقوى.

وتوقف ابن بطوطة عند الأسلوب التربوي لأهل مالي في تحفيظ القرآن الكريم، وذكر الرحالة أن الآباء هناك يحرصون حرصا لا يوصف على تعليم أبنائهم، وكان القرآن في تلك البلاد هو مفتاح الحرية الجسدية والمعنوية، وهذا ما يفسر خروج أجيال من الفقهاء والقراء الأفارقة الذين أبهروا حجاج بيت الله الحرام بعمق علمهم ودقة حفظهم.

لم تكتمل رحلة ابن بطوطة دون تدوين "سوسيولوجيا الطعام"، وفي مالي وجد عادات غذائية رآها غريبة في البداية لكنها أصيلة في كرمها، ووصف أطباق الـ"كسكسي" والـ"دقن" (نوع من الذرة أو الحبوب المحلية التي تطبخ بطريقة معينة)، وأشار إلى أن أهل تلك البلاد يبالغون في إكرام الضيوف، خاصة في رمضان.

كرم الموائد الأفريقية

كان من عادة أهل مالي أن يرسلوا الطعام لكل من يمر ببلادهم من الغرباء والقوافل، معتبرين ذلك جزءا لا يتجزا من أخلاقهم الدينية.

ورغم أن ابن بطوطة، القادم من مطبخ المغرب المترف، وجد بعض أطعمتهم غير مألوفة، إلا أنه أنصفهم في وصف جودهم، مؤكدا أن الصائم عندهم يجد كفايته وزيادة من طعام يقدم بكل محبة وتواضع.

إن القيمة الفلسفية لما كتبه ابن بطوطة تكمن في رصده لـ"الوحدة الشعورية" للأمة الإسلامية، فبينما كانت مكة تحتفل بـ"فوانيس الزمزمي" والزينة البصرية، كانت مالي تحتفل بـ"سلاسل الحفظ" والانضباط السلوكي، ورغم تباين المناخ من حرارة مكة إلى جفاف مالي، واختلاف الألسن والألوان، إلا أن "الجوهر الرمضاني" كان واحدا، وهو التكافل عبر إطعام الغرباء والمجاورين في مكة يقابله إطعام القوافل في مالي.

وثيقة انثروبولوجية وتاريخية

وأيضا الروحانية المتمثلة في صلاة التراويح في الحرم تقابلها "الزحمة" المقدسة في مساجد السودان، والتعليم في المدارس الفقهية بالمشرق، ويقابلها "نظام القيود" التربوي في الغرب الأفريقي.

وتوضح قصص ابن بطوطة أنه لم يكن جغرافيا يكتفي برسم الطرق، بل كان باحثا اجتماعيا يبحث عن "الفرادة البشرية".

وكتابه "تحفة النظار" يمثل اليوم مرجعا أساسيا لفهم "تاريخ الشعور" الإسلامي في القرن الثامن الهجري، لقد استطاع ببراعة أن يصور لنا رمضان ليس كمجرد شهر صيام، بل كمهرجان من النور، والعبادة، والتكافل الاجتماعي، والصرامة التربوية التي تربط أطراف العالم الإسلامي ببعضها البعض.

وما نقله عن "فوانيس مكة" و"سجادات مالي" و"قيود الأطفال" ليست مجرد حكايات مسلية، بل هي أدلة تاريخية على حيوية المجتمعات الإسلامية وقدرتها على ابتكار حلول تنظيمية وتربوية نابعة من بيئتها الخاصة، مع الحفاظ على الرابط الروحي الشامل.