مع حلول شهر رمضان المبارك، يتبادر الى الاذهان سؤال مهم: لماذا يشعر بعض الناس بالتوتر والغضب بشكل أسرع، على الرغم من أن هذا الشهر يفترض أن يكون فترة للهدوء وضبط النفس؟

كشفت أبحاث حديثة في علم النفس العصبي والطب السلوكي أن الإجابة لا تقتصر على عامل واحد، بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين عدة عوامل منها تغيرات مستوى السكر في الدم، واضطرابات النوم، والانسحاب من المنبهات، وضغوط الحياة اليومية.

واظهرت الدراسات وجود علاقة حساسة بين مستوى السكر في الدم والمزاج العام للانسان.

تأثير سكر الدم على المزاج في رمضان

واوضحت الدراسات أن انخفاض مستوى الجلوكوز في الدم يمكن أن يؤثر سلبا في قدرة الدماغ على تنظيم المشاعر والانفعالات، وبين الباحثون في دراسة نشرت في مجلة "نيوترينتس" أن انخفاض سكر الدم خلال فترات الصيام الطويلة يرتبط بزيادة التوتر وسرعة الانفعال لدى بعض الأشخاص، وخاصة في الساعات التي تسبق موعد الإفطار.

ويرتبط ذلك بدور القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المسؤولة عن ضبط السلوك، حيث تعتمد هذه المنطقة على إمداد ثابت من الطاقة، وعندما ينخفض مستوى الجلوكوز، قد تتراجع كفاءة التحكم في الانفعالات، مما يجعل ردود الفعل أكثر حدة.

واضاف الباحثون ان قلة النوم تعد عاملا خفيا يؤثر على المزاج خلال شهر رمضان.

اضطرابات النوم وتأثيرها على الغضب

ويغير شهر رمضان إيقاع الحياة اليومية، حيث يميل الناس إلى السهر لفترات أطول والاستيقاظ لتناول السحور، وأحيانا الحصول على قيلولة غير منتظمة خلال النهار.

واكدت مراجعة نشرت في مجلة "جورنال أوف سليب ريسيرش" بعنوان "صيام رمضان وأنماط النوم والأداء النهاري" أن تقليل ساعات النوم أو تجزئتها يرتبط بارتفاع مستويات التهيج وضعف التركيز خلال النهار.

وبينت الأدبيات النفسية أن قلة النوم تقلل من قدرة الدماغ على تنظيم الاستجابة العاطفية، وتزيد من نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن ردود الفعل السريعة، مما يفسر سهولة الغضب في مواقف يومية بسيطة.

انسحاب الكافيين والنيكوتين وتفاقم التوتر

واشارت الدراسات الى انه بالنسبة للأشخاص الذين اعتادوا على تناول القهوة أو التدخين، فإن الساعات الأولى من الصيام قد تترافق مع أعراض انسحاب خفيفة، مثل الصداع والتوتر وصعوبة التركيز.

وحول أعراض انسحاب الكافيين، لفتت دراسة نشرت في مجلة "أديكتيف بيهيفيرز ريبورتس" إلى أن التوقف المفاجئ عن تناول الكافيين قد يؤدي إلى زيادة القابلية للانفعال خلال أول 24 إلى 48 ساعة.

واكد الباحثون ان هذا الانقطاع يتكرر يوميا في شهر رمضان، مما قد يزيد من الشعور بالتوتر، وخاصة في الأيام الأولى من الشهر.

ضغوط الحياة اليومية وزيادة الغضب

وبالاضافة الى العوامل البيولوجية، تلعب العوامل الاجتماعية دورا مهما في زيادة الغضب خلال شهر رمضان، فالإيقاع اليومي يتغير، وتزداد الضغوط لإنهاء العمل قبل الإفطار، بالإضافة إلى الازدحام المروري قبيل المغرب والتحضيرات المنزلية المكثفة.

وتزيد هذه الضغوط من مستوى هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، مما يرفع احتمالية ردود الفعل الغاضبة.

واظهرت بعض الدراسات أن الصيام المرتبط بدافع روحي قد يعزز الوعي الذاتي وضبط الانفعالات لدى الأشخاص الذين يمارسونه في سياق تعبدي واع.

واستنتج الباحثون أن سرعة الغضب في رمضان ليست ظاهرة غامضة، بل هي نتيجة تفاعل بين عوامل فسيولوجية وسلوكية واجتماعية، منها انخفاض سكر الدم واضطراب النوم وأعراض انسحاب الكافيين وضغط الإيقاع اليومي، وكلها قد تقلل من عتبة التحمل.