تتصاعد الضغوط المعيشية اليومية على سكان قطاع غزة خلال شهر رمضان، حيث يواجهون سلسلة من الأزمات المتفاقمة، بدءا بغلاء أسعار السلع الأساسية، وصولا إلى صعوبة الحصول على الاحتياجات الضرورية التي أصبحت حلما بعيد المنال.
ومن بين أبرز هذه الأزمات، النقص الحاد في غاز الطهي، مما يضطر العديد من السكان إلى الاعتماد على الحطب والأخشاب، التي تشهد هي الأخرى ارتفاعا في الأسعار وندرة في الأسواق، خاصة خلال شهر رمضان مع زيادة الطلب عليها، حتى من قبل المطاعم، وذلك في ظل النقص الشديد في الغاز.
وتقوم هيئة البترول في قطاع غزة بتوزيع حصص محدودة من الغاز على المواطنين، بواقع 8 كيلوغرامات لكل أسرة، ولكن دون تحديد موعد ثابت للتوزيع، حيث تعتمد الدورة على الكميات المتاحة التي لا تدخل بشكل منتظم، ويقول حسان المصري، وهو مواطن من غزة، إن المواطن قد ينتظر ثلاثة أو أربعة أشهر للحصول على هذه الكمية الضئيلة من الغاز، والتي تقل عن سعة أسطوانة الغاز العادية.
أزمة الغاز والحطب تتفاقم
ويشير المصري، وهو نازح من بلدة بيت حانون، ويقيم في مركز إيواء بحي النصر في مدينة غزة، إلى النقص الحاد في الحطب والأخشاب، والذي تفاقم بعد عامين من الحرب التي دمرت كل شيء، ولم تبق حتى الأشجار التي يمكن الاستفادة منها، مبينا أن العديد من المواطنين تعرضوا للقتل أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق خطرة لجلب الحطب والخشب للاستخدام الشخصي أو لبيعه في الأسواق.
وتشرح سمر أبو الجبين، وهي من سكان جباليا والنازحة في مركز الإيواء نفسه، تداعيات أزمة الغاز على قدرتها في إعداد الطعام، وخاصة وجبة السحور لعائلتها المكونة من 9 أفراد، مبينة أنها في بعض الأيام تعتمد خلال وجبة الإفطار على طعام التكيات الذي يصل جاهزا من مؤسسات خيرية أو غيرها.
وأوضحت سمر أبو الجبين أنها تضطر ليلا إلى إيقاد النار بما يتوفر لديها من حطب أو خشب، لتجهيز وجبة السحور، قائلة: «في الأيام المقبلة قد نكتفي بتناول التمر على وجبة السحور لأنه لا يتوفر الغاز لسهولة إعداد الوجبة، كما أن الحطب يشح بشكل كبير وسعره مرتفع، وزوجها لا يستطيع توفيره باستمرار بسبب الظروف الاقتصادية التي تعيشها العائلة».
اعتماد متزايد على التكيات
واضافت أبو الجبين بلغة غلب عليها العجز: «حياتنا كارثية، تخيل كم كمية التعب لنشعل النار والدخنة التي تخرج منها في ساعات الفجر من أجل إعداد وجبة نستطيع أكلها والصيام عليها، أو حتى عند إعداد الإفطار أحيانا أمام باب الغرفة التي نعيش فيها في مركز الإيواء، والتي تضمنا جميعا وننام فيها جميعا، حياتنا لا يمكن لأحد أن يصفها لأن الواقع أصعب مما يمكن أن يعيشه أي إنسان آخر».
وما تعيشه سمر أبو الجبين خاصة فيما يتعلق باعتمادها على التكيات الجيدة مقارنة بآخرين، لم يكن أفضل حالا بالنسبة للكثير من النازحين الذين يعيشون على تكيات الطعام المقدمة من مؤسسات عربية وإسلامية ودولية وحتى مبادرات شبابية وفردية، والتي تسوء حالا من يوم إلى آخر.
وفي مخيم يقع على أطراف مخيم الشاطئ الشمالي، شمال غربي مدينة غزة، ويضم مئات الخيام للنازحين من شمال قطاع غزة، يعاني السكان من الطعام السيئ جدا الذي تقدمه التكيات والذي يصل بشكل أساسي من قبل مطابخ تعمل لصالح برنامج الأغذية العالمي، كما يؤكد العديد من سكانه في شهادات.
شكاوى من جودة الطعام المقدم
ويقول المواطن أحمد لبد والنازح من بلدة بيت لاهيا، إنه منذ نحو شهرين أو أكثر، أي قبل شهر رمضان، تصلهم تكيات طعام سيئة جدا، وغالبيتها يتم إلقاؤها ولا يتم تناولها من قبل السكان إلا المضطرين جدا والذين لا يجدون ما يسدون رمق أطفالهم به، مبينا أن هناك حالة من عدم المراقبة على عمل تلك المطابخ التي تعمل لصالح مؤسسات دولية وغيرها.
ويرى أن ما يجري هو استهانة بواقع النازحين وسكان قطاع غزة بشكل عام، مشيرا إلى أن هناك عائلات تقطن في منازل متضررة، وتأتي للتكية للحصول على الطعام بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة، لكن في النهاية غالبية ذلك الطعام باتت تلقى في القمامة، متسائلا عن دور المسؤولين في برنامج الأغذية العالمي وغيره في فرض رقابة صارمة على ما يجري من إعداد ذلك الطعام.
ويشير الشاب فراس الكفارنة أحد سكان المخيم، إلى أنه منذ بداية شهر رمضان لم يتم جلب طعام جيد سوى في اليوم الأول، وما دون ذلك تم إلقاؤه في القمامة من قبل العوائل التي تقطن في المخيم، مشيرا إلى أن هناك شكاوى كثيرة من مختلف مخيمات النزوح ومراكز الإيواء في كل أنحاء قطاع غزة، بسبب الطعام السيئ جدا الذي يقدم للمواطنين.
قيود على جودة المساعدات الغذائية
وكانت وزارة التنمية الاجتماعية التابعة لحكومة «حماس» قد اشترطت على جميع الجهات التي تقدم الطعام للمواطنين بغزة وخاصة النازحين، تحسين جودته، وألا تكتفي بتقديم الأرز لوحده من دون إضافات، أو الاكتفاء بالطبخات السائلة من دون إضافات، مشددة على ضرورة تقديم اللحوم والدواجن، خاصة في ظل وفرتها بكثرة بعدما سمحت إسرائيل بدخول كميات كبيرة من المجمدات.
وبحسب الكفارنة فإن هذا التعميم لم تلتزم به أي جهة حتى الآن، فيما قالت المواطنة نسرين الحلبي والتي تقطن في مخيم آخر للنازحين بحي النصر، إنه منذ بداية شهر الصيام، تم تسليمهم أرزا بالدجاج مرتين، وفي كلتيهما تم إلقاؤه في القمامة بسبب سوء الطبخ.
وتقول نسرين الحلبي التي تعيش في خيمة مع أبنائها بعدما دمر منزلها: «الكل يتاجر في معاناتنا، حتى المساعدات التي تقدم لنا فاسدة، ولا يوجد لا رقيب ولا حسيب».
أزمة مواصلات خانقة
ولا تتوقف معاناة الغزيين عند هذا الحد، بل تمتد إلى أزمة المواصلات في ظل نقص المركبات، وأزمة السيولة النقدية التي يحتاجها السكان بشكل أساسي لدفعها للسائقين للتنقل من مكان إلى آخر.
ويقول الشاب أنس حميد النازح من حي الشجاعية شرق مدينة غزة إلى حي النصر غربا، إن السائقين يجبرون المواطنين على دفع أجرة تنقلهم نقدا، كما أنهم يتلاعبون بأسعار المواصلات من مكان إلى آخر ومن سائق إلى آخر ولا يلتزمون بتسعيرة واحدة، متسائلا عن الدور الرقابي في هذا الشأن لدى الجهات الحكومية التابعة لـ«حماس».
بينما يقول السائق حسن الحناوي إنهم لا يتعاملون بالدفع عبر التطبيقات الإلكترونية للبنوك أو المحافظ المالية التابعة لسلطة النقد، لأسباب عدة منها، عدم توفر الإنترنت بشكل ثابت، مما يمنعهم من الحصول على أموالهم بشكل مباشر عند صعود الراكب إلى المركبة، وكذلك بسبب عدم وجود حسابات بنكية أو محافظ مالية لدى جميع السائقين، وبسبب فرض بعض أصحاب محطات الوقود الدفع نقدا وليس عبر التطبيقات الإلكترونية.
حلول بديلة للتنقل
وكانت حكومة «حماس» أصدرت أكثر من تعميم يجبر السائقين على تداول جميع العملات الورقية المهترئة وغيرها، ومحاولة العمل بالتطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، غير أن الالتزام بذلك لم يكن كافيا، كما رصدت.
وفي ظل أزمات المواصلات وتدمير إسرائيل لأعداد كبيرة من المركبات خلال الحرب على قطاع غزة، لجأ غالبية السكان إلى استخدام الدراجات الهوائية التي لم يكن أهالي القطاع يعتمدونها كثيرا، لتستعيد بريقها من جديد رغم عدم توفرها بشكل كاف وارتفاع أسعار ما يتوفر منها بشكل كبير جدا مقارنة بما قبل الحرب.
واستغل الشاب نبيل الطيف دراجته الهوائية لقضاء حوائج أسرته، قبل أن يقرر الانضمام لأحد مكاتب «الدليفري»، والذي اعتمد على استخدام مركبات مختلفة في توصيل الطلبات للسكان، خاصة بعد أن عاد نشاط المطاعم والمحال التجارية للعمل بشكل كبير جدا.
