تتصاعد وتيرة الاجراءات التي تتخذها الحكومة الاسرائيلية بهدف فرض هيمنتها على مساحات واسعة من اراضي الضفة الغربية، ولم يقتصر الامر على المناطق المصنفة (ج) الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية بموجب اتفاق اوسلو2 لعام 1995، بل تعداه ليشمل مناطق تخضع لسيطرة جزئية او كاملة للسلطة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تم الاعلان عن مجموعة قرارات من مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر (الكابينت) خلال الشهر الجاري، تضمنت تنفيذ القانون في اراضي السلطة و(تسوية) اراضي الضفة، الامر الذي ينطوي على خطر تحويل اراضي الضفة الى اراضي دولة ونقلها الى المستوطنين.
يثير ذلك تساؤلات حول حقيقة ما يجري وهل هو ضم فعلي ام زحف نحو الضم ام مجرد توسع للاحتلال، ولماذا لا تعلن اسرائيل رسميا ضم الضفة، وهل يهمها الاعلان الرسمي اصلا.
استراتيجية اسرائيلية خبيثة
وفق خبير قانوني ومحلل سياسي، فان اعلان الضم رسميا لن يتحقق، لكن اسرائيل ستواصل نهجها بما يشبه خديعة (الضفدع والقدر) المعروفة في الموروث الغربي.
يعود بنا الخبير القانوني والمختص بالشؤون الاسرائيلية، محمد دحلة، الى احتلال الضفة الغربية عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، وما تبعه من اعلان تطبيق القانون الاسرائيلي على المدينة، وتحديدا على المنطقة التي اعلن عنها وزير الدفاع الاسرائيلي انذاك، والتي شكلت 10 اضعاف ما كانت عليه المدينة ابان الحقبة الاردنية، وتقع الان تحت نفوذ البلدية الاسرائيلية.
يوضح المحامي دحلة ان اسرائيل، منذ بسطت نفوذها على المدينة وحتى عندما اعلنت القدس بشقيها الغربي والشرقي مدينة موحدة، لم تطلق على ذلك ضما، مع انه يحمل كل متطلبات الضم، فلا تجد في القانون الاسرائيلي في حينه ولا في اي مكان رسمي كلمة ضم.
القانون الدولي والضم
وعن السبب، يقول دحلة ان القانون الدولي يحرم ضم الاراضي المحتلة ويتعامل مع الضم على انه غير قانوني وجريمة حرب، فالنظام الاسرائيلي يحاول ان يجمع بين الامرين، فهو ضم الارض فعليا في القدس الشرقية، وهي جزء من الضفة المحتلة، لكن دون ان يستعمل كلمة (الضم) في مؤسساته خشية التورط مع القانون الدولي.
واكد الخبير القانوني انه على ارض الواقع في الضفة، فان اسرائيل تضم الارض (فعليا) وبشتى الوسائل، ومن ذلك بناء المستوطنات وتطبيق القانون الاسرائيلي فيها بطرق ملتوية دون الاعلان عن انها جزء من اسرائيل، بما في ذلك قوانين الانتخابات وضريبة الدخل والتامين الوطني.
وبين ان القائد العسكري الاسرائيلي المسؤول عن المنطقة الوسطى (الضفة) لديه الصلاحية وبامر عسكري ان يطبق قوانين الكنيست على مناطق معينة، وهذا ما يفعله في كل المستوطنات، بالتالي اصبحت المستوطنات بؤرا اسرائيلية يطبق عليها القانون الاسرائيلي بطريقة ملتوية وليست مباشرة.
محكمة العدل الدولية تكشف التلاعب
واضاف دحلة موضحا انه عندما يسن قانون في الكنيست لا يطبق مباشرة في المستوطنات، انما هو بحاجة الى فعل اضافي وهو قرار من الحاكم العسكري او من القائد العسكري لتطبيقه، وهذا يعني امكانية البدء في تسوية الاراضي كما قرر الكابينت مؤخرا.
لكن دحلة يؤكد ان هذا التحايل لم يعد خافيا على محكمة العدل الدولية التي توصلت الى قناعة في يوليو/تموز الماضي بان اسرائيل تنتهج بالفعل سياسة ضم اراضي الضفة بما فيها القدس الشرقية.
ومع ذلك، قال دحلة ان اسرائيل تستمر بهذه اللعبة، وتحاول خداع العالم وادخاله في متاهة التفاصيل والجزئيات، خاصة في ظل سياسات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بصفته وزيرا في وزارة الدفاع ويمضي في خطواته باتجاه الضم الفعلي دون ان يسمى الفعل باسمه وبغض النظر عن كونه مخالفا للقانون الدولي.
الضم التدريجي
واكد دحلة ان ما يجري على ارض الواقع هو ضم فعلي ينتظر التوصيف الرسمي، ويبقى الفرق الوحيد بين ما يجري والضم الرسمي هو اعلان تطبيق اي قانون يصدره الكنيست بشكل مباشر في الاراضي المحتلة كما تل ابيب واي مدينة اسرائيلية اخرى، ومنذ لحظة تشريعه.
لكن هل يحصل ذلك؟ هذا ما يستبعده دحلة حتى في ظل الحكومة الحالية، مرجحا ان تستمر سياسة (الضفدع والقدر)، في اشارة الى موروث غربي يتحدث عن موت الضفدع عند وضعه في قدر ماء مع تسخين بطيء، وفي المقابل امكانية نجاته بالقفز ان وضع فجاة في الماء الساخن.
واوضح دحلة ان هذا ما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين والعرب، قضم تدريجي بطيء للضفة وتطبيق تدريجي للقوانين الاسرائيلية عليها، وادخال الناس في تفاصيل جزئية مملة ومتشابكة، دون الاضطرار للاعلان عن خطوة الضم التي قد تجلب لهم اعتراضات دولية.
توسع تدريجي وفرض وجود
وهنا يعود دحلة الى مقولة منسوبة الى حاييم وايزمان اول رئيس لاسرائيل يقول فيها (دونم ارض هنا ودونم هناك، عنزة هنا وعنزة هناك) في اشارة للتوسع التدريجي وفرض الوجود ببطء، وهو ما يطبق حرفيا على الارض اليوم.
من جهته، يقول المحلل السياسي، عدنان الصباح، ان اسرائيل تاتينا من حيث لم نحتسب، موضحا ان الجميع كان ينتظر من الاحتلال الاعلان عن الضم والذي يعني في القانون الدولي السطو على ارض الاخر، الى قرار تسوية اراضي الضفة تمهيدا لتملكها.
وشدد الصباح على ان خطوة (التسوية) ابعد من الضم، فاسرائيل تظهر بالتملك وكانها تستعيد حقا لها، وبالتالي فان تحويل اراضي الضفة الغربية الى اراضي دولة، لدولة اسرائيل وتمكين وزارة العدل من القيام بالمهام المطلوبة منها قانونا، يعني ان هذه الاراضي مملوكة لدولة اسرائيل، وفي هذا تجاوز كبير وخطير لمعنى الضم، وياتي في سياق مخطط ومدروس يجري تنفيذه حتى في العقل والوعي.
نظام كوني جديد
واشار الصباح الى تصريح السفير الامريكي باسرائيل مايك هاكابي والذي قال فيه ان ارض اسرائيل من النيل الى الفرات، يقدم دولة اسرائيل على انها طيّبة اكثر مما نتوقع، وعلينا ان نكتفي بما تتيحه لنا من ارض ونتركها تستفرد بالباقي.
واوضح الصباح انه بينما يدرّس في السياسة الدولية مصطلحات مثل: المدينة الدولة، دولة محمية، دولة منقوصة، دولة مراقب، فانه يتحدث عن نظام كوني جديد تسعى اسرائيل لاستحداثه يمكن ان يطلق عليه (دولة في الوهم) وترحيل الفلسطيني من ارضه دون ان يغادرها، سلطة تصدر جوازات سفر، تعطي صورة المواطنة على الارض، دون مواطنة فعلية ما يساعد على التهجير الفعلي والطوعي، ضمن ما يفكر فيه سموتريتش الذي اعلن انه لا يريد الاكتفاء بايصال الفلسطينيين الى حالة الياس انما فقدان الامل.
واضاف الصباح مشيرا الى خطوات في اتجاه الضم الفعلي منها:
- منح قائد المنطقة الوسطى الاسرائيلي صلاحيات طوارئ تجاوزت الادارة المدنية وحتى المنظومة القانونية الاسرائيلية بما في ذلك منع الفلسطيني من اي بناء ومصادرة اي معدات دون ان يرجع لاي جهة قانونية.
- اعلان تسجيل الملكية، وهو اجراء لا يمكن الرجوع عنه مستقبلا، لا سيما وان الكنيست صوّت سابقا على مشروع قرار يمنع قيام دولة فلسطينية، وبالتالي التعامل مع الاراضي على انها مملوكة لليهود بشكل خاص، وواد اي امكانية لاقامة الدولة الفلسطينية.
