في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وغلاء الأسعار، يبرز التكافل الاجتماعي في مصر كأحد أهم الأدوات التي تساعد الأسر الفقيرة على مواجهة التحديات المعيشية، حيث تتنوع أشكال الدعم بين الإطعام والعلاج وتجهيز الفتيات للزواج، إضافة إلى المبادرات الفردية التي تزداد مع حلول شهر رمضان.

تحاول سميرة محمود، وهي امرأة مطلقة تعول ثلاثة أبناء، الحصول على دعم حكومي ضمن برنامج «تكافل وكرامة»، لكن طلبها قوبل بالرفض بسبب وجود ابنها البالغ من العمر 27 عاماً كعائل للأسرة، وتشكو سميرة من عدم قدرة نجلها على الادخار وتلبية احتياجات الأسرة في الوقت نفسه، معتمدة على مساعدات المحسنين لتغطية نفقات المعيشة والعلاج.

وليست سميرة وحدها من تعتمد على التكافل الاجتماعي، فالمبادرات الشعبية تلعب دوراً هاماً في مساندة الأسر المصرية المحتاجة، في ظل ارتفاع معدلات الفقر التي تجاوزت 30 في المائة، وفقاً لتصريحات رئيس الحكومة مصطفى مدبولي.

مبادرات رمضان تضيء سماء الخير

وتتنوع أدوات التكافل الاجتماعي في مصر بين الإطعام والعلاج وتجهيز فتيات للزواج وغيرها من الجهود التي تقوم بها مؤسسات منظمة أو مبادرات فردية تزداد مع حلول شهر رمضان، الذي يحمل ذروة العمل الخيري في مصر خصوصا الأعمال الفردية التي لا تحضر على مدار العام بنفس الكثافة عكس مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على مدار العام.

ويوجد في مصر اكثر من 48 الف مؤسسة مجتمع مدني تعمل في المجال الخيري والإنساني وفق تقديرات وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة غادة والي في عام 2017.

وفي مركز شباب بمنطقة الهرم، يتولى الباحث في الهندسة الوراثية مهند عبد العظيم ومجموعة من أصدقائه مسؤولية تنظيم إفطار جماعي مجاني كل يوم في رمضان منذ عدة أعوام بمشاركة واسعة من الجيران الميسورين لمساعدة غير القادرين في منطقتهم ويتجاوز عدد المستفيدين الـ 200 شخص.

"شنط رمضان" تقليد راسخ

يقول الشاب العشريني إن العاملات في المركز يتولين طبخ الوجبات وتتوفر مكوناتها بفضل تبرعات أهالي منطقته ولا تقتصر جهودهم على المائدة بل تمتد إلى «ِشنط رمضان».

وتعد «شنط رمضان» تقليداً خيرياً شهيراً في مصر لمعاونة الأقل دخلاً والأكثر احتياجاً خصوصاً أن بعض هؤلاء لا يستطيعون تناول الإفطار على مائدة إما خجلاً وإما لظروف صحية وتتضمن مواد غذائية أساسية مثل الأرز والمكرونة وبقوليات وزيت وسكر وبعضها يزيد في المكونات بإضافة اللحوم الحمراء أو البيضاء.

ولم ينس عبد العظيم النساء الفقيرات في فأضاف لهن «فوط صحية» لتوفير أفضل رعاية لهن خلال فترة الحيض وهو ما «أسعد النساء في الأسر التي تصل إليها هذه الشنط خصوصاً مع ارتفاع سعرها في السوق» مشيراً إلى أنهم لا يقتصرون في المساعدات بالشنط على شهر رمضان وتستمر على مدار العام وإن كان «الخير في رمضان يكون أكثر والشنط أكبر عادة».

دور المبادرات الفردية والجماعية

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق المبادرات الفردية أو الشعبية والمحلية مكملة لعمل المؤسسات الخيرية المنظمة موضحا أن الأخيرة أكبر في التأثير من حيث حجم المساعدات والتنوع الجغرافي الذي تعمل فيه عكس المبادرات الفردية والشعبية التي يقع تأثيرها في نطاقات أضيق لكن في المقابل فإن المبادرات الفردية تتفوق على المنظمة في الطابع الإنساني المباشر ورفع روح التكافل الحقيقي وسد الثغرات خصوصاً وقت الأزمات.

في حي إمبابة بالجيزة يوزع المحامي كريم محمد شنط رمضان بمكونات متنوعة لا تخلو من اللحوم الحمراء بعد تقصي دقيق للأسر الأكثر احتياجاً «الأَوْلى عندي اليتامى ثم المرضى غير القادرين على العمل ثم الحالات الأخرى».

يقول محمد إنه بدأ هذا النشاط الخيري بشكل شخصي قبل أعوام ومع الوقت أصبح يكبر وينتشر في شبكة عنكبوتية «أصدقاء بدأوا في المشاركة ثم معارف وكلما كانت المساهمات أكبر كان المستفيدون وعدد الشنط أكبر».

أوجه الدعم تتسع لتشمل الجميع

وتتمركز مساعدات محمد في حي إمبابة حيث منزله ومكتبه اما ايات امام فتركز جهودها على محيطها في منطقة شبرا الخيمة (شمال العاصمة) حيث تجهز عشرات الشنط وتوزعها على المحتاجين لكن بترتيب مختلف للأولويات وهو: «ذوو الاحتياجات الخاصة ثم الأرامل ثم المطلقات... الأسر التي ليس لديها عائل والمرضى».

سبق ان عملت ايات متطوعة في منظمات مجتمع مدني قبل زواجها ومشاركة زوجها في نشاط شنط رمضان ومن منطلق خبرتها في هذا المجال الذي يتماس مع مجال دراستها في «الخدمة الاجتماعية» تقول إن «شنط رمضان وغيرها من أوجه التكافل تدعم كثيراً من الأسر فمثلاً الشنطة الواحدة قد تكفي لإطعام أسرة أسبوعاً على الأقل وكثيراً ما تصل للأسرة الواحدة أكثر من شنطة أو تبرع مع تنوع الموزعين».

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي أن المبادرات الفردية مع الجماعية المنظمة سواء رسمية مثل برامج الدعم الحكومي أو الخاصة مثل جمعيات شهيرة كـ«الأرمان» و«مصر الخير» و«بنك الطعام»... وغيرها تجعل من رمضان «شهر التكافل» داعياً إلى أن تستمر هذه الجهود على مدار العام بنفس الوتيرة.

واحتلت مصر المرتبة الثانية في نسبة إنفاق الشخص على التبرعات من دخله بنسبة 2.45 في المائة وفق مؤشر العطاء العالمي World Giving Index 2025 الذي تنشره مؤسسة المعونة الخيرية سنوياً ووفق المؤشر نفسه فإن حجم التبرعات في مصر يصل لنحو 4.5 مليار دولار سنوياً.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه الحكومة إلى إطلاق منحة رمضانية بقيمة 40 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) يوجه جزء منها لدعم 15 مليون أسرى من الأكثر احتياجاً.