في مكتب صغير بمدينة غزة، تقف طفلة صغيرة ترتدي نظارة واقع افتراضي، تسألها المعالجة عما تراه، فتبدا ابنة السابعة رزان بتعداد الاشياء التي تظهر امامها، قطار والعاب وحيوانات والبحر، وتاتي التوجيهات بهدوء، مدي يدك نحو المكعب واستخدمي اليد التي تستطيعين مدها واخبريني ماذا تشعرين، انها جلسة علاج ولكنها تبدو كانها لعبة.
اصيبت رزان العام الماضي عندما خرجت لجلب الماء لعائلتها، اذ سقطت قذيفة اسرائيلية في مكان قريب، واخترقت شظاياها ساقها، وتلت ذلك سلسلة من العمليات الجراحية، من بينها محاولة لاعادة بناء الساق ولكنها لم تنجح، ولا تزال الاصابة واضحة للعيان، اذ تبدو ساق رزان مشوهة بعد فقدان جزء من اللحم والعضلات.
وابلغ الاطباء عائلة رزان بان الامكانات العلاجية داخل غزة باتت محدودة للغاية، في ظل تضرر المرافق الطبية بشدة جراء عامين من الحرب، وقالوا ان الامل في تعاف حقيقي يكمن في مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، وبالنسبة لطفلة صغيرة بدا الخبر كانه صدمة ثانية.
تخفيف الصدمات النفسية بتقنية الواقع الافتراضي
تقول والدتها رنا ابو حربيد لشبكة سكاي نيوز البريطانية ان الصدمة كانت قاسية لدرجة ان رزان امتنعت عن الطعام لايام، ولم تتناول سوى الماء قبل ان تنهار وتنقل مجددا الى المستشفى، ولا تزال الكوابيس توقظها من نومها.
وبعد اشهر من الدعم الذي يقدمه هذا الفريق العلاجي بدات حالتها النفسية تتحسن، وان ببطء ومن دون ضمانات كاملة، وتضيف الام بدات تتحسن تدريجيا وراحت تنسى شيئا فشيئا ولكن الكوابيس ما زالت تعود، فتستيقظ مذعورة ترتجف وتشعر كان الارض تتحرك تحتها.
جيل غزة يتعافى من آثار الحرب
خلال جلسات الواقع الافتراضي يجلس عدد من الاطفال في دائرة يرتدون نظارات الواقع الافتراضي ويمسكون باجهزة تحكم يدوية، ويمنحهم هذا النوع من العلاج احساسا بالانتقال الى اماكن جديدة من دون مغادرة مقاعدهم، فجاة ومن عالم غزة الرمادي المثقل بالركام والغبار والدمار يجد الطفل نفسه يشاهد حيوانات تتجول واسماكا تسبح او شخصيات كرتونية تمرح بسعادة.
في المكتب نفسه يتحدث الشقيقان احمد وامجد البالغان 17 و13 عاما عما تمنحهما اياه هذه الجلسات.
اصيب الشقيقان في الحرب عندما استهدفت غارة جوية اسرائيلية منزلهما، ويقول احمد انه اندفع في الهواء مثل قطعة ورق، اصابته شظايا عدة واستقر بعضها في وجهه وهو اليوم فاقد احدى عينيه.
أطفال غزة يتحدون الصعاب
ويضيف انه ظن انه سيموت خصوصا بعدما قتل شقيقه التوام في وقت سابق من العام نفسه فبات الموت قريبا في احساسه، اما امجد فكانت اصاباته اشد خطورة نقل مباشرة الى غرفة العمليات وبعد الجراحة لف ببطانية ونقل الى مشرحة المستشفى بعدما اعتقد انه فارق الحياة قبل ان يتمكن من تحريك يده ليؤكد انه لا يزال حيا.
وتقول والدة احمد وامجد نسمة انها استيقظت على الغبار والانقاض وكان المكان الذي ينام فيه الصبيان مدفونا تحت الحجارة، وعثرت على احمد مغطى بالدماء ولاحظت ان عينه فقدت ثم بدات تبحث عن امجد معتقدة انه لا يزال تحت الركام، وبعد اشهر لا يزال الشقيقان يتلقيان العلاج فيما لا تزال شظايا مستقرة في جسديهما.
ويؤكد امجد ان بعض اصاباته تتطلب جراحة خارج غزة اذ لا يملك الاطباء في القطاع خيارات اضافية لعلاجها، غير ان السفر للعلاج يبدو حلما بعيد المنال لكثير من العائلات اذ لا يسمح يوميا الا لعدد محدود جدا بمغادرة غزة لتلقي العلاج في حين ينتظر الاف اخرون الفرصة نفسها.
الواقع الافتراضي يعيد الأمل
تندرج جلسات الواقع الافتراضي ضمن مشروع تديره تك ميد غزة، وتوضح احدى العاملات في المشروع لما ابو دلال ان الفكرة بدات بعد ملاحظة اعراض نفسية حادة على طفل جريح رفض الاكل والشرب وتجنب الناس وكان يبكي باستمرار.
وجربت تقنية الواقع الافتراضي لتخفيف تلك الاعراض واظهرت نتائج ايجابية ومنذ ذلك الحين تعامل المشروع مع نحو 180 حالة عبر جلسات منظمة داخل بيئة افتراضية تتضمن تمارين تنفس ومشي ومشاهد طبيعية.
وتقول لما ان بعض الاطفال الذين عجزوا عن المشي بسبب الخوف خطوا خطواتهم الاولى وهم يرتدون النظارة ما دل على ان العائق كان نفسيا لا جسديا، غير ان العمل يظل محدودا بالامكانات المتاحة فعدد النظارات قليل واذا تعطلت احداها لا تتوفر قطع غيار ولا تصل معدات جديدة ما يعني ان عددا اقل من الاطفال يمكنهم الاستفادة من الجلسات.
كل ذلك يجري في ظل واقع امني هش فوقف اطلاق النار المعلن اواخر العام الماضي لا يزال قائما رسميا ولكنه هش وتتواصل الضربات ويسقط قتلى فيما تبقى الحياة في المخيمات محفوفة بالمخاطر.
وتقول وزارة الصحة في غزة ان اجمالي عدد القتلى منذ بدء سريان وقف اطلاق النار في 10 اكتوبر الماضي بلغ 612 شخصا اضافة الى 1640 مصابا فضلا عن 726 حالة انتشال.
في نهاية الجلسة تخلع رزان النظارة فيختفي البحر والغابة، وفي الخارج لا يزال المخيم على حاله، ولبضع دقائق يكون هؤلاء الاطفال في مكان اخر ثم يعودون الى غزة كما هي.
