تحركت وزارة الصحة المصرية بشكل عاجل لتدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين الماضي ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، والتي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء في أبريل 2021 لـ«عدم اختصاصه».

واستدعى هذا الأمر إصدار قرار من وزير الصحة خالد عبد الغفار لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته صاحب الصفة القانونية.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا جدلا واسعا في مصر، مع انتشار شائعات عن قرب إطلاق سراح تجار المخدرات بناء عليه، وهو ما نفاه متخصصون، مؤكدين أن الحكم، قبل قرار وزارة الصحة، لن يترتب عليه مباشرة إطلاق سراح أي من المدانين أو المتهمين حاليا في قضايا المخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر إلى حد البراءة في معظم القضايا، خاصة قضايا الاتجار.

توضيحات وزارة الصحة حول قوائم المخدرات

وأوضحت وزارة الصحة في بيان لها، الثلاثاء، أن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، وذلك تنفيذا مباشرا وفوريا لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 قضائية دستورية، والذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وبينت الوزارة أنه بصدور القرار، أصبحت جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حاليا في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، مما يسد أي ثغرة تشريعية، أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة، وفقا للصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل أن هذه القضايا عرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها، غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية.

إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماما مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع.

وأشار بصل إلى أن غالبية المواد المخدرة، حتى المستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها، موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المخففة نوعا ما بصفتها جنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاما، مستبعدا أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، فعادة ما تحال القضية بوصفها اتجارا بغض النظر عن نوع المخدر أو درجة تصنيفه.

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق استفادة المتهمين من الحكم الدستوري

وفسر المحامي حسن شومان طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه إذا كانت القضية منظورة حاليا في أول درجة أو مستأنف، فيحق لي بصفتي محاميا أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعا ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية، متوقعا في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتا، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتا صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماسا بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تعاد المحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيرا، فعادة ما يضبط المدان بأكثر من نوع مخدر.

وقد يتيح حكم الدستورية لمدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلا من وزير الصحة غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة.

جداول المخدرات المجرمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المجرمة في مصر على المواد المصنعة للتعاطي أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيرا من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المخدرات التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيرا من المواد، وهو جهد لم يذهب سدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية.