تتصاعد مأساة الدفن في قطاع غزة بشكل غير مسبوق حيث لم تعد المقابر التقليدية قادرة على استيعاب اعداد الشهداء المتزايدة يوما بعد يوم جراء العدوان المستمر الذي لا يفرق بين صغير وكبير. ويضطر الاهالي والعمال لمواجهة واقع مرير يتمثل في تكديس جثامين الشهداء داخل قبور جماعية محدودة المساحة في محاولة بائسة لتوفير مثوى اخير لهم وسط ظروف انسانية صعبة للغاية تفتقر لابسط مقومات الكرامة الانسانية.
واضاف العاملون في مقابر القطاع انهم يواجهون عجزا كبيرا في توفير مساحات شاغرة مما دفعهم لدفن اعداد تصل الى عشرين شهيدا في القبر الواحد حيث يتم وضع شواهد تحمل اسماء متعددة لتوثيق هوية المدفونين. وشدد هؤلاء العمال على ان نقص مواد البناء كالاسمنت والحجارة بسبب الحصار الخانق يجبرهم على استخدام انقاض المنازل المدمرة والطين لسد القبور واغلاقها في مشهد يدمي القلوب ويجسد قسوة الحياة والموت في غزة.
وبينت التقارير الميدانية ان معاناة العائلات تتفاقم مع الارتفاع الجنوني في تكاليف الدفن التي باتت تثقل كاهل المكلومين في ظل انهيار اقتصادي شامل مما دفع الكثيرين لتحويل حدائق منازلهم الخاصة الى مدافن اضطرارية. واكدت هذه العائلات ان انعدام البدائل والضغط الهائل على المقابر المتهالكة التي يعود تاريخها لمئات السنين جعل من البحث عن قبر فردي امرا شبه مستحيل في واقع تسيطر عليه رائحة الموت والدمار.
واقع المفقودين تحت ركام المنازل المدمرة
وكشفت المعطيات الواردة من الميدان ان ملف المفقودين تحت الانقاض يزداد تعقيدا مع وجود الاف الاشخاص الذين لا يزال مصيرهم مجهولا في ظل عجز طواقم الدفاع المدني عن الوصول اليهم. واشار مختصون الى ان هذه الاعداد الكبيرة من المفقودين تعكس حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الذين تحولت منازلهم الى مقابر جماعية مفتوحة لا يمكن انتشال الجثث منها بسبب نقص المعدات والاليات الثقيلة اللازمة لعمليات الانقاذ.
اقرأ أيضا :
واظهرت المتابعات ان الاحتلال لم يكتف بقتل الاحياء بل عمد الى تجريف عشرات المقابر القديمة خلال توغلاته العسكرية مما ادى الى اختفاء اثار قبور تعود لسنوات طويلة واختلاط رفات الموتى ببعضهم البعض. واوضحت شهادات حية ان بعض المواطنين فقدوا تماما القبور التي تضم رفات ذويهم بعد ان جرفتها الجرافات العسكرية وحلت مكانها كتل اسمنتية وشواهد جديدة لا تحمل اي صلة بقرابتهم او تاريخ دفنهم الاصلي.
واكدت احصاءات الجهات الصحية ان اعداد الشهداء في تصاعد مستمر مما ينذر بكارثة بيئية وانسانية لا يمكن التنبؤ بمدى خطورتها في المستقبل القريب مع استمرار الحرب وتكدس الجثامين في اماكن غير مخصصة للدفن. وبينت التحليلات ان الخراب الذي لحق بالبنية التحتية والمقابر يحول ذكريات الشهداء الى صور باهتة تضيع وسط ركام المباني المنهارة التي اصبحت شاهدة على واحدة من اقسى المآسي التي شهدها العصر الحديث في قطاع غزة.
